ثمة انقلاب يأخذ مجراه
  • أكتوبر 6, 2025

ترحيب «حزب الله» بما انتهت إليه «حماس» في غزة، انفصام سياسي ما بعده انفصام. فـ»خطة ترامب»، رغم ما قد تعترضها من إشكالات، جوهرها نزع سلاح «حماس»، وإقصاؤها عن حكم غزة. إنه الفشل الذريع لحرب المساندة ووحدة الساحات. لا يوجد بارقة اتعاظ، بما يوفر التدمير الشامل قبل القبول المذل، إذا صحت نظرية انتقال التصعيد الإسرائيلي إلى لبنان، بعد غزة. جلسة مجلس الوزراء اليوم، كان يجب أن يتضمن جدول أعمالها، ما هو أبعد من تقرير شهري محوره تفاصيل عسكرية، على أهمية ما قد يرد فيه. ولكن «حزب الله» مصر على فتح المعركة باكرًا مع الدولة، وأصبحت جمعية «رسالات» هي من يتحكم بمسار الجلسة بدلًا من ان تكون موضع المساءلة. «خطة ترامب» في غزة والانتخابات التشريعية في سوريا، حدثان يدلان إلى أننا نسير في لبنان بالاتجاه المعاكس للتهدئة والاستقرار. وبالتالي التعافي الاقتصادي، ومسار استرداد الدولة سيادتها، من خلال حصرية السلاح والانتخابات المقبلة، يوجبان على أهل الحكم استرداد المبادرة بعدما جرنا «حزب الله» إلى «الاستنزاف السياسي» بالتزامن مع «حرب الاستنزاف» المستمرة منذ سنتين. الاستنزاف من علاماته أنه قد يودي بنا إلى انقلاب سياسي ناعم. «جلسة 5 آب»، أبطأت مفاعيلها «جلسة 5 أيلول»، وما يقوم به نبيه بري من عسف تشريعي يمثل خطوة انقلابية أكثر اتضاحًا لمسار لم يكبحه خطاب القسم والبيان الوزاري، وإذا صحت التوقعات بأن جلسة اليوم ستنتهي بغموض غير بناء في عدد من الملفات، فيمكن القول إن الانقلاب أخذ طريق اللاعودة عند «الثنائي الشيعي». والمنطق الانقلابي يعفي أصحابه من المسؤولية الوطنية، فهم يريدون أن تدفع الدولة من جيبها المثقوبة كلفة الإعمار قبل أن يتوقف الدمار. وهم لا يريدون تحمل أوزار أفعالهم ويرفضون أن ينتخب المنتشرون 128 نائبًا، بذريعة أن ناخبيهم يخافون من الاقتراع في دولة «الشيطان الأكبر»، وغيرها من دول الغرب. منطق الوقاحة وصل إلى درجة أن تدفع الدولة اللبنانية من رصيد سيادتها ومواردها، على حساب احتمال مخافة مقترع  من «بيئة الممانعة» في ديترويت. يريدون أن يحوّلوا كل شيعي في أميركا، إلى «جهادي» يناصب العداء للدولة التي يسترزق منها. وعلى هذا الشيعي أن يرسل الدولارات من أميركا لمحاربة أميركا،. أميركا أن تبارك وتقدم كل التسهيلات لماكينة الثنائي الانتخابية. والفصام وصل إلى اعتبار الشيعي الأميركي الذي انتخب ترامب أكثر وطنية من شيعي آخر يُطعن بوطنيّته لمجرد أنه يتردد على السفارة في عوكر؟ ثم كيف الخلاص من عادة بل القرارات وشرب مائها؟ من المحكمة الدولية المتعلقة باغتيال رفيق الحريري إلى «جلسة 5 آب»، إلى «جمعية رسالات»، يتصرف «حزب الله»، بأنه دويلتان. واحدة خارج الدولة وواحدة داخلها. وكم تبدو كل الملفات التي ننشغل بها يوميًا، بلا جدوى في ظل هذا الانقلاب المتمادي بلا حياء. بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، وبعد الويلات التي عانتها بيروت من الحصار، وفي محاولة لإنقاذها من المزيد من الدمار والدماء، قال محسن ابراهيم رئيس منظمة «العمل الشيوعي» لياسر عرفات «أعطيناكم لبنان عشر سنوات… أعطونا بيروت». لبنان كله اليوم تحت الحصار ومهدد بعودة غارات الدمار، ومن المأساة أن نشعر بأن عرفات أرحم من غيره. ثمة انقلاب يأخذ مجراه .

Read more

Continue reading
ملء الوقت الضائع بنزاع أهل السلطة
  • أكتوبر 6, 2025

من المنتظر أن تخطف شرم الشيخ كل الأضواء مع انطلاق المفاوضات المقررة حول الشروع في تطبيق مبادرة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لوقف الحرب على غزة. وكان ترامب قد أعلن، أنّ ما هو مطروح لا يطاول فقط غزة إنما السلام على مستوى الشرق الأوسط. في الواقع إنّ الرئيس الأميركي لا يبالغ ولا يغالي في توصيفه. ذلك أنّ مختلف النزاعات والحروب التي عاشتها ساحات المنطقة، ولا تزال، وأدّت إلى تمزيق البلدان والكيانات، كانت ترتكز في عدد من جوانبها على النزاع الأم في المنطقة، أي القضية الفلسطينية. كما أنّ صعود الدور الإيراني في المنطقة بعد الثورة الإسلامية، إرتكز في أساسه على القضية الفلسطينية والرمزية الدينية للقدس. ولكن، وبخلاف الصورة المتفائلة التي راجت إثر إعلان حركة «حماس» وقبلها إسرائيل، الموافقة على مبادرة ترامب، إلّا أنّ باطن الأمور يحمل كثيراً من الحذر والتوجس. وعلى ما يبدو ليست حركة «حماس» وحدها من يذهب مرغماً إلى مفاوضات القاهرة، ذلك أنّ الحكومة الإسرائيلية المرحّبة ظاهرياً بورقة ترامب، تبدو في واقع مختلف ضمنياً. فلا «حماس» ولا حكومة نتنياهو راضيتان عن تضييق هامش المناورة لديهما. وهذا ما جعل عدداً من المراقبين يخشون من ظهور مفاجآت غير سارة، مع التذكير دائماً بأنّ الشياطين تكمن في التفاصيل. وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ أسلوب ترامب المثير للجدل والخارج عن مألوف السياسة الأميركية، فعل فعله هذه المرّة، ولعب لمصلحة دفع فريقي المواجهة إلى القبول بمشروعه والذهاب إلى مفاوضات القاهرة. ومعه قد يصح القول إنّ أسلوب ترامب وشخصيته السياسية (على رغم من فشلهما في التعامل مع معظم الأزمات الدولية) كانا بمثابة الوصفة المثالية للتعامل مع أطراف الشرق الأوسط وزعمائه. وفي وقت لا حاجة لشرح موقف قيادة «حماس» وإعلانها مرغمة موافقتها على ورقة ترامب، فإنّ رئيس الحكومة الإسرائيلية يخفي وراء موافقته وابتسامته الصفراء خيبة أمل لمشروعه بتهجير أهل غزة، وضربة لصورته التي أراد أن يحفرها في التاريخ الإسرائيلي. فعدا عن أنّ المشروع السياسي لليمين الإسرائيلي بتهويد غزة نهائياً، فإنّه بات على يقين بأنّ النصر سيخطفه ترامب وليس هو، لا بل إنّ الصحافة الإسرائيلية بدأت تهاجمه وتضرب صورته كزعيم إسرائيلي، عبر قولها إنّ ترامب لا يهدّد نتنياهو بل يأمره. واستطراداً، قد يصح التوصيف هنا أنّ طرفي الحرب، أي إسرائيل و«حماس»، يراهنان على أن يعمد الفريق الآخر على إحباط خطة ترامب، مرّة للتخلص من عبئها، ومرّة أخرى لتحمّل وزر الإنتقام العاصف لترامب. فقيادة «حماس» تعرف جيداً أنّ معارضيها سيحمّلونها كل مآسي الحرب، كما أنّ «أصدقاءها» سيعتبرون موافقتها خيانة لإيديولوجيتها الدينية والقائمة على المقاومة حتى الشهادة. وفي المقابل ثمة من يعمل على إقناعها بأنّ ما يحصل هو كسب لفسحة من الزمن، تسمح بإعادة تنظيم الصفوف، مع تحقيق مكسب يقضي بإطلاق آلاف السجناء الفلسطينيين. ولكن الخطة المطروحة لإدارة غزة والتي شارك في هندستها طوني بلير وجاريد كوشنر، تتضمن هيكلاً متعدد الطبقات، حيث يكون ديبلوماسيون دوليون ورجال أعمال في القمة، بينما يتولّى الفلسطينيون أمور التنفيذ على الأرض، كما أوردت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية. ولكن «حماس»، والتي بات هامش رفضها المباشر لورقة ترامب ضيّقاً جداً، قد تكون تراهن على التعقيدات الإسرائيلية. ذلك أنّ رفض «حماس» سيساعد اليمين الإسرائيلي المتطرّف في العودة إلى القتال لتحقيق مشروعه. ولكن هذه المرّة مع تنفيذ ترامب لوعده بدعم إسرائيل ومساعدتها عبر فتح «أبواب الجحيم». لذلك، من المفترض أن يحمل نتنياهو الإتفاق الى حكومته، حيث سيطرحه على التصويت للمصادقة عليه رسمياً، بعد قبول «حماس» به. ومن المرجح أن يعارضه وزيرا اليمين المتطرّف، وأن يعمدا لإعلان انسحابهما من الحكومة، كونهما يتمسكان بمشروع طرد السكان الفلسطينيين من قطاع غزة. لكن زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد كان أعلن في وقت سابق بأنّ حزبه مستعد للدخول إلى الحكومة، وبالتالي إنقاذها من السقوط، وصولاً حتى موعد الإنتخابات المقبلة، بعد نحو سنة من الآن. ووفق آخر استطلاع أجرته صحيفة «نيويورك تايمز» وجامعة «سيينا»، ظهر حجم تراجع دعم إسرائيل في الشارع الأميركي، والذي وصل إلى أدنى مستوياته منذ سنوات، في مقابل ارتفاع ملموس في مستوى التعاطف مع الفلسطينيين. فنسبة تعاطف الأميركيين مع إسرائيل وصلت إلى 34% بعدما كانت 47% في كانون الأول الماضي، في مقابل 35% أبدوا تعاطفهم مع الفلسطينيين، بعدما لم تكن النسبة تتجاوز 20% في الإستطلاع السابق. وهو ما يعني أنّ هامش المناورة أمام نتنياهو لم يعد واسعاً. ويبقى السؤال الأهم حول تداعيات كل هذا الوضع المتشابك على لبنان. بالنسبة إلى «حماس»، فإنّ مجرد التفكير باحتمال قدوم قياداتها المبعدة إلى مخيمات لبنان، بات غير ممكن. فإذا كان صحيحاً أنّ نجاح خطة ترامب سيعني في المفهوم السياسي إخراج إيران من الساحة الفلسطينية، فإنّ اعتماد لبنان كخطة بديلة كما كان يحصل سابقاً لم يعد إحتمالاً قائماً أو واقعياً. فحتى قبل شن إسرائيل حربها على «حزب الله»، ونجاحها في توجيه ضربة قاسية له، وجّهت إسرائيل بالتفاهم مع واشنطن (وكانت يومها إدارة جو بايدن) رسالة تحذير صارمة في هذا الشأن. يومها عمدت إسرائيل إلى استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت للمرّة الأولى من خلال اغتيال القيادي الحمساوي صالح العاروري. وجاءت الرسالة الدموية عقب تداول أفكار تقضي باستقدام قيادات لـ«حماس» إلى لبنان. وجاءت عملية إغتيال العاروري بمثابة رسالة تحذير من القيام بهذه الخطوة. فاعتماد لبنان كقاعدة بديلة، هي وظيفة مضى عليها الزمن. وهو ما ثبت لاحقاً عبر الضربة التي تلقّاها «حزب الله»، والتي استهدفت في البداية الأقسام التي كانت تتولّى الدور الإقليمي لـ«حزب الله» وكانت موجودة في عمق الضاحية الجنوبية. وفي موازاة ذلك، فإنّ «نزع» سلاح حركة «حماس» في غزة يعني تلقائياً نزع سلاحها في كل مكان، والمقصود هنا بوضوح سلاحها في المخيمات الفلسطينية في لبنان. ومن هذه الزاوية بات يمكن فهم الخطوة التي قامت بها السلطة الفلسطينية في وقت سابق من الآن، والتي قضت بتسليم سلاح الفصائل الفلسطينية الموالية لها. وبالتالي، تصبح الخطوة التالية لنجاح مفاوضات القاهرة، تسليم سلاح «حماس» والفصائل الإسلامية في المخيمات الفلسطينية، وخصوصاً السلاح الثقيل. وهذه الخطوة ستضيق أكثر فأكثر هامش الحركة أمام «حزب الله» لجهة إحتفاظه بسلاحه الثقيل. والأخطر، أنّ نتنياهو الذي سيكون محاصراً داخلياً وسط نزاعه مع اليمين المتشدّد، واتهامه بالفشل في تحقيق الأهداف الضمنية لليمين بطرد الفلسطينيين من غزة، سيجد نفسه مندفعاً للتعويض في لبنان. ولن تتردّد إدارة ترامب في دعمه مجدداً، مرّة لمنحه متنفساً داخلياً هو بأمسّ الحاجة إليه، ومرّة ثانية لاستكمال تحقيق الأهداف التي تؤيّدها واشنطن، والتي تقضي بإخراج نفوذ إيران نهائياً من الحدود الشمالية لإسرائيل، بعد نجاحها بإخراج هذا النفوذ من الساحة الفلسطينية. لكن كل ذلك يبقى متوقفاً على نجاح مفاوضات شرم الشيخ. أضف إلى ذلك، أنّ ترامب مستعجل لظهور نتائج سريعة، علّ حظوظه بالفوز بجائزة نوبل للسلام تصبح مرتفعة، وهو الطامح بقوة لنيل هذه الجائزة. كذلك هو يريد أن يشكّل نجاح مشروعه بوقف الحرب في غزة، ممراً مريحاً لضمّ السعودية إلى الإتفاقات الإبراهيمية، خصوصاً أنّ ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان سيزور واشنطن مبدئياً في النصف الأول من تشرين الثاني المقبل. وفي انتظار انقشاع مشهد شرم الشيخ، يستهلك لبنان الوقت، ولكن على وقع اضطرابات داخلية ونزاعات أهل السلطة. وهو ما يصح وصفها بالزوبعة داخل الفنجان اللبناني، فيما الزوبعة الكبرى ذات العنوان الإقليمي تنتظر مآل حرب غزة. ملء الوقت الضائع بنزاع أهل السلطة .

Read more

Continue reading
كيف يُهدّد إغلاق الحكومة الأميركية سُبُلَ الحياة في لبنان؟
  • أكتوبر 6, 2025

مع دخول الحكومة الأميركية في حالة الإغلاق التدريجي، بسبب تعثّر الاتفاق على مشروع قانون الإنفاق، بدأت تداعيات الخلاف السياسي في الولايات المُتحدة الأميركية بالظهور، في بلدٍ من أكثر دول العالم هشاشة على الصعيد الإقتصادي. ففي بلدٍ يعيش أصعب أزمة اقتصادية وإنسانية في تاريخه الحديث، يُمثل تعليق أو تأجيل المساعدات الخارجية الأميركية (الحيوية) له خطرا وتهديدا بعدم الإستقرار، وتدهورا إقتصاديا إضافيا. تُعدّ العلاقة الاقتصادية الأميركية مع لبنان، وخاصةً فيما يتعلق بالمساعدات الخارجية والتسهيلات التجارية ، التي ينعم بها لبنان في الولايات المُتحدة الأميركية، عنصرا جوهريا في الإقتصاد اللبناني، وحتى حيويا في بعض الأحيان. لذا، فإن الإغلاق إذا طال أمده، سيُوقف جميع الخدمات الحكومية الأميركية غير الأساسية، ويُعطل هذه الخطوط الحيوية، والنتيجة كارثية محتملة على الصعيدين الإنساني والأمني. المساعدات الخارجية أبرز تداعيات الإغلاق التدريجي على لبنان، يتمثّل في تجميد أو تأخير برامج المساعدات الأميركية، التي لطالما شكّلت شريان حياة للبنان في بعض المجالات. ومن أبرز هذه التداعيات: – أولاً : تعليق مشاريع الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) ، التي كانت جهةً مانحةً رئيسيةً للتعليم، ودعم مشاريع المياه والفرص الاقتصادية ، كما ودعم الجمعيات غير الحكومية، حيث أتى تطبيق سياسة خفض الإنفاق الحكومي (DOGE) معطوفا على الإغلاق التدريجي الحكومة، ليؤدّي إلى تسريح الموظفين في البرامج غير الأساسية الممولة من الكونغرس، وتجميد المساعدات أو إبطائها. – ثانياً : بدأت برامج الدعم الموجّهة للفئات الأكثر ضعفا، كالعائلات الفقيرة والنازحين السوريين، تفقد تمويلها مُلقيةً تداعياتها على هذه الفئات، مع زيادة الفقر فيها وتراجع الخدمات الحيوية المؤمّنة لها، مثل المياه والكهرباء ومعالجة مياه الصرف الصحي والتنمية الريفية. – ثالثاً : الكثير من الجمعيات التي كانت تعتمد ماليا على تمويل أميركي، بدأت بإيقاف مشاريعها وتسريح موظفيها. وهو ما يعني آلاف الموظفين العاملين في مشاريع كانت ممولة من الـ USAID، سيخسرون أو خسروا وظائفهم، ومعهم عائلات ستخسر مداخيل كانت تعيش من خلالها. – رابعاً :على الصعيد التربوي، تواجه العديد من المؤسسات التربوية اللبنانية (من جامعات ومؤسسات) مخاطر خفض أو وقف التمويل الأميركي، مما سيؤدّي إلى فقدان آلاف الطلاب إمكانية مواصلة دراستهم، في ظل الأعباء المالية المتزايدة. التأثير على التجارة والعلاقات الثنائية لا يطال تأثير الإغلاق الحكومي فقط المساعدات الخارجية الأميركية، بل يطال أيضا العلاقات التجارية بين الولايات المُتحدة الأميركية ولبنان. فالإستثمارات الأميركية في لبنان قد تتأثر، نتيجة غياب أو تقليص عدد الموظفين في السفارة الأميركية. هؤلاء يُقدّمون الإستشارات والخدمات للشركات الأميركية (مساعدة في إختيار الشركاء التجاريين، وفي العمليات الإدارية والقانونية)، وبالتالي فإن تخفيض عدد الموظفين، سيؤدّي إلى وقف فعلي للجهود المبذولة لتعزيز المناخ الإستثماري الجاذب، وإزالة العوائق أمام التجارة الثنائية، مما يعيق تدفقات العملات الأجنبية التي هي أكثر ما يحتاجه لبنان. أضف إلى ذلك، يؤثر الإغلاق الحكومي الأميركي على مهام جوهرية، مثل مكافحة الإرهاب وتطبيق العقوبات، من باب عدم قدرة موظفي الدعم والإدارة في وزارتي الخزانة والخارجية على مواكبة الأمر. ونظرا لخضوع القطاع المالي اللبناني لتدقيق مكثف للتحقق من إمتثاله للشروط الأميركية، لا سيما تلك التي تستهدف الفساد والإرهاب، فإن أي تباطؤ في التنسيق بين لبنان والولايات المُتحدة الأميركية، قد يزيد من حالة عدم اليقين لدى المصارف والشركات اللبنانية، التي تسعى إلى الحفاظ على علاقاتها المصرفية الدولية مع المصارف المراسلة. المساعدة الأمنية في خطر؟ يُعدّ الجيش اللبناني شريكا أمنيا ​​للولايات المتحدة، وركيزةً أساسيةً للإستقرار في لبنان، ورادعا أساسيا للإرهاب. وعلى الرغم من تأكيد السلطات الأميركية بأن المساعدات العسكرية للجيش اللبناني لن تتأثر، إلا أن الخلاف السياسي في واشنطن فيما يخصّ الإنفاق، قد يُبطئ صرف التمويل العسكري الأجنبي. ويُشكّل أي إنقطاع في المساعدات الأمنية الأميركية تهديدا للمؤسسة العسكرية، في بيئة يُكافح فيها الجيش اللبناني لمواجهة الإنهيار الاقتصادي الوطني، والحفاظ على رواتب الجنود وجاهزيتهم. وبالتالي، فإن قطع أو إبطاء المساعدات العسكرية، سيؤدّي إلى إضعاف قدرة الجيش اللبناني على ضبط الحدود والحفاظ على الأمن الداخلي، وهو أمرٌ حيويٌّ لإستقرار – ليس لبنان فقط – بل المنطقة بأكملها! اقتصاد مُنهك لا يتحمّل صدمات على عكس الإقتصادات الأكثر صلابة، والقادرة على تحمّل الصدمات الخارجية المؤقتة، يعاني الإقتصاد اللبناني من إستنزاف لموارده، حيث يمرّ لبنان بواحدة من أسوأ الأزمات المالية في تاريخه الحديث، مع تخلف سيادي عن سداد الديون، وإنهيار القطاع المصرفي وإنهيار العملة، بالإضافة إلى فقر متعدد الأبعاد طال أكثر من 80% من السكان. من هذا المُنطلق، لا تُعدّ المساعدات الأميركية مجرد بادرة ديبلوماسية تجاه لبنان، بل هي ضخّ مالي بالغ الأهمية يُحافظ على شبكة أمان (غير حكومية)، ويُعزّز المؤسسة العسكرية. وبالتالي، فإن التوقّف المفاجئ أو المُطوّل لهذا الدعم بسبب الإغلاق الحكومي، سيُترجم بشكل مباشر بالعوارض التالية: -أولاً تزايد الإحتياجات الإنسانية: تفقد المنظمات غير الحكومية العاملة في الخطوط الأمامية تمويلها، مما يؤثر بشكل مباشر على الخدمات الأساسية. – ثانياً تفاقم خطر عدم الاستقرار، حيث يواجه قطاع الأمن المُنهك أصلا، ضغوطا مُضاعفة نتيجة الأزمة التي تعصف بلبنان. – ثالثاً فقدان الثقة: يُنذر هذا التوقف بمزيد من عدم اليقين السياسي العالمي، مما يُعرقل الإستثمار ، ويُسرّع من هجرة الأدمغة من لبنان عصب الاقتصاد على المدى المتوسّط والبعيد. في المحصلة، يُمثل المشهد السياسي الأميركي المتمثّل بعدم التوافق على الإنفاق، تهديدا كبيرا للبنان، الذي لا يُمثل إقتصاده سوى جزء ضئيل من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المُتحدة الأميركية. ويُمكن الجزم بأن الإغلاق الأميركي يُمثل تذكيرا خطيرا لمدى إعتماد لبنان على الإستقرار الخارجي لضمان ديمومته. وفي ظل هذه التداعيات الخطيرة على شركاء الولايات المتحدة في الخارج، لم يكن الحل العاجل لأزمة الموازنة الأميركية أكثر إلحاحا مما هو عليه اليوم. كيف يُهدّد إغلاق الحكومة الأميركية سُبُلَ الحياة في لبنان؟ .

Read more

Continue reading
الموازين السياسية أشدّ فتكًا من الأصوات الانتخابية
  • أكتوبر 6, 2025

يحتلّ ملف قانون الانتخاب حيّزًا مهمًّا في صدارة الاهتمامات. وبعد الصدام الذي حصل في مجلس النواب بين القوى السيادية والوسطية من جهة وبين “الثنائي الشيعي” من جهة أخرى، يُنتظر ما سيكون عليه الإخراج المرتقب لهذه المسألة. تكتسب الانتخابات النيابية اللبنانية بالشكل أهميّة بالغة، ليس في الداخل المتحمّس فقط للمبارزة ومعارك كسر العضم، بل في أروقة الدول الكبرى، وذلك لأن لبنان يعتبر البلد الديمقراطي الوحيد في الشرق الأوسط، والذي يتبدّل فيه الرئيس كلّ 6 سنوات، إذا استثنينا حالات الفراغ والأزمة، وتجرى فيه انتخابات نيابية. كانت سنة 1972 آخر مرّة تجرى فيها الانتخابات النيابية في جمهورية الاستقلال، واندلعت الحرب في 13 نيسان 1975، فتأجّلت الانتخابات إلى عام 1992، وجرت تحت إشراف سوري وفق قانون المحافظة مع بعض الاستثناءات، وتكرّر المشهد نفسه عام 1996، حيث كانت اللوائح المعلّبة تفرز نتائج الانتخابات التي تأتي بأغلبية ساحقة لصالح النظام الأمني اللبناني- السوري. قرّر النظام السوري تأديب الرئيس رفيق الحريري واخترع قانون غازي كنعان الذي قسّم بيروت وأذاب الصوت المسيحي في كلّ لبنان، وأتى تسونامي الحريري في بيروت وتسونامي النائب وليد جنبلاط في الجبل ليفسدا خطّة السوري في انتخابات 2000. حصل زلزال اغتيال الحريري في 14 شباط 2005، وانسحب الجيش السوري وسقط النظام الأمنيّ، ودارت رحى انتخابات 2005 فأفرزت أكثرية لصالح قوى 14 آذار، لكن هذه الأكثرية أتت نتيجة معطى اغتيال الحريري وليس ضمن إطار انقلاب ديمقراطي داخل صناديق الاقتراع. اجتاح “حزب اللّه” بيروت والجبل في 7 أيار 2008، ونتج عنه اتفاق “الدوحة” الذي أعاد قانون القضاء إلى الواجهة، وجرت انتخابات 2009، وأعادت قوى 14 آذار الفوز بالأكثرية لكنها لم تحكم لأن الموازين السياسية انقلبت لصالح “حزب اللّه”، فصالح جنبلاط النظام السوري وحصل الانقلاب على حكومة الرئيس سعد الحريري وسقطت بالثلث المعطّل الذي أقرّ في الدوحة. وبالتالي لم تؤثر نتائج الانتخابات على شكل الحكم بل موازين القوى. انتخب العماد ميشال عون رئيسًا للجمهورية في 31 تشرين الأول 2016، وخُلطت القوى والتحالفات، وجرت الانتخابات النيابية على أساس قانون النسبية للمرّة الأولى في تاريخ لبنان، لكن على الرغم من نيل عون و “الثنائي الشيعي” الأغلبية، ظلّ الرئيس الحريري رئيسًا للحكومة إلى أن أتت ثورة 17 تشرين وأطاحت بكلّ شيء. ولعلّ أبرز مثال على أن الظرف السياسي هو الذي يرسم خريطة الحكم في لبنان هو مجلس 2022 الذي ظفرت به القوى السيادية والوسطية والتغييرية بالأكثرية، لكنها لم تتفق في ما بينها ولم تستطع الحكم، وبعد تبدّل الوضع السياسي في لبنان بعد نتائج حرب “الإسناد” بات “حزب اللّه” بلا حلفاء والكتل التي تدور في فلكه تصوّت إلى جانب القوى السيادية والمعارضة في رئاسة الجمهورية والحكومة والاستحقاقات المهمّة. كلّ هذا السرد يدلّ على أن الواقع السياسي في لبنان لا يتبدّل في الأصوات التي تنزل في صندوق الاقتراع، بل نتيجة عوامل إقليمية ودولية، والمثال الأبرز هو امتلاك الرئيس كميل شمعون أكثرية ثلثي المجلس عام 1958، وعلى الرغم من هذا الرقم لم يُحرم من التمديد لنفسه فقط، بل لم يستطع انتخاب رئيس من صفه، وأدّت التسوية الأميركية- المصرية إلى انتخاب اللواء فؤاد شهاب رئيسًا للجمهورية وبات شمعون خصم الشهابية الأوّل. من المهمّ احترام الأصول الدستورية والديمقراطية في بلد يتغنى بالحريّة وتداول السلطة، لكن من يراهن على الانتخابات لقلب الموازين واهمٌ، لأن الأساس ما يجري في أروقة الدول الإقليمية والدولية، بينما ما يحصل في الداخل تفصيل بسيط يستخدم في سوق المزايدات، لأن القرار اللبناني ما زال مرتهنًا للخارج والبلاد مشرّعة على كلّ أنواع التدخلات الخارجية. الموازين السياسية أشدّ فتكًا من الأصوات الانتخابية .

Read more

Continue reading
3 حقائق و5 اسئلة في شأن تحويل الأموال: الثقة لا تعود بالانتقائية
  • أكتوبر 6, 2025

أثار الكلام الذي أدلت به مصادر النيابة العامة المالية لـ “نداء الوطن” موجة من ردود الفعل المتفاوتة، بين من رحّب واعتبر أن القضاء بدأ يأخذ دوره الحقيقي، وبين مشكّك رأى في الكلام المنشور مجرد تكرار لنمط ممل اعتمده البعض لتسطير بطولات وهمية على حساب الحقيقة، وأحيانًا على حساب المصلحة العامة. هل بدأ القضاء يمارس مهامه بعيدًا من التأثيرات السياسية؟ وهل انتهى زمن السلبطة السياسية على مرفق القضاء، ودخلنا مرحلة تثبيت دور السلطة القضائية كسلطة مستقلة، تحمي الحقوق سواسية لكل الناس؟ السؤال طرحته “نداء الوطن” استكمالًا لما نشرته في 4 تشرين الجاري، خصوصًا أن الطبق الرئيسي في كلام مصادر النيابة العامة المالية يتعلق باستعادة أموال جرى تحويلها بعد 17 تشرين، إلى الخارج، وتسعى النيابة العامة إلى إعادتها إلى البلد. مصدر مالي ونقدي أجاب على السؤال، من خلال تفنيد القضية المثارة، ومن خلال تسليط الضوء على معطيات لم تكن واضحة. بداية، يؤكد المصدر أن كل خطوة يتخذها القضاء في اتجاه إحقاق الحق، هي “خطوة مباركة ولا يمكن سوى أن تلقى التأييد من قبل كل اللبنانيين”. يضيف: في الموضوع الذي أثير نقلًا عن مصادر النيابة العامة المالية، هناك مجموعة حقائق ينبغي ذكرها كما هي، ومروحة أسئلة لا بد من طرحها وانتظار إجابات عليها، كي يستطيع أي مواطن أن يقيّم ويحكم على ما يجري قضائيًا في قضية حسّاسة تتعلق بأموال جرى تحويلها بعد 17 تشرين. من الحقائق التي يجب التركيز عليها، تلك المتعلقة بحجم القضية التي يجري الحديث عليها، وهي كالتالي: أولًا- هذا الملف قديم، وجرى تكوينه من قبل المدعي العام المالي السابق علي ابراهيم، الذي سبق وطلب من مصارف أن تزوده بمعلومات عن رؤساء مجالس إدارة مصارف قاموا بتحويل أموال إلى الخارج بعد 17 تشرين. وقد لبّت المصارف الطلب وزودت النيابة العامة بالمعلومات والأرقام، من دون إسقاط الأسماء على التحويلات. لكنها أبلغت ابراهيم أنها جاهزة لتزويده بأي اسم يعتبر أنه يريد الكشف عنه، للتوسّع أكثر في التحقيقات. ولاحقًا، زودت المصارف النيابة العامة بالأسماء كاملة، بناء على طلبها. ثانيًا- إن الأسماء الواردة في هذا الملف الذي تحدثت عنه مصادر النيابة العامة المالية إلى “نداء الوطن”، لا يتجاوز العشرين. وبالتالي، فإن مجموع المبلغ الذي جرى تحويله من قبل هؤلاء يعتبر زهيدًا، قياسا بحجم مجموع التحويلات التي جرت بعد هذا التاريخ. ثالثًا- إن قسمًا من هذه التحويلات عاد إلى المصارف، وبعضه عاد مضاعفًا من خلال التعميم 154 الذي صدر في 27 آب 2020، والتعميم الوسيط رقم 567 الذي صدر في 11 آب 2020. ونصّ التعميم 154 على إلزام المصرفيين والإداريين في القطاع المصرفي بإعادة ما لا يقلّ عن 30 % من الأموال المحوّلة إلى الخارج بعد 17 تشرين الأول 2019، إلى حسابات “خاصة” مجمّدة (blocked accounts) لدى المصارف اللبنانية لمدة خمس سنوات. ونصّ التعميم الوسيط 567 على إلزام جميع المصارف العاملة في لبنان برفع رساميلها بنسبة 20 % قبل نهاية شباط 2021، بهدف تعزيز متانة القطاع المصرفي في ظل خسائر القطاع وتراجع الأصول بالعملات الأجنبية، وزيادة السيولة لدى المصارف المراسلة في الخارج. وطُلِب من كل مصرف أن يؤمّن سيولة حرّة (Free Liquid Assets) لدى المصارف المراسلة لا تقلّ عن 3 % من ودائع الزبائن بالعملات الأجنبية. هذه السيولة يجب أن تكون خارج لبنان ومودعة في مصارف مراسلة من الدرجة الأولى. هذه الحقائق تقود إلى طرح أسئلة كثيرة من أهمها: أولًا- كيف سيتم التعاطي مع السياسيين وشريحة الـ “Pep’s الذين حولوا أموالهم بضغوطات سياسية وغير سياسية. ثانيًا- ما مصير من سحب أمواله في تلك الحقبة نقدًا؟ أوليس هؤلاء هم موضع شبهة أكثر ممن حول إلى الخارج، لأنهم يخشون أن تخرج ثرواتهم إلى دول قد تحاسب في شأن مصدر هذه الأموال؟ ثالثًا- كيف سيتم التعاطي مع عدد كبير من المودعين سمحت لهم بعض المصارف بتحويل نسبة مئوية معينة من أموالهم؟ وهل إن عضو مجلس إدارة في مصرف سيدان إذا حول أموالًا احتاجتها عائلته في الخارج، ومودعًا كبيرًا لا يُدان إذا فعل الأمر نفسه؟ رابعًا- هل يحق للقاضي، في قضية رأي عام/ كما هي حال قضية الأموال المحولة، أن يتكتّم حول القانون الذي يستند إليه لتوجيه تهمة التحويل، وهو يدرك أن الإدارة السياسية، وعلى رأسها تلك التي رشحته لمنصبه، كانت وراء إصدار قانون يمنع التحويل. ولو فعلت في حينه لما كانت تمت التحويلات، وفي معظمها قام بها سياسيون نافذون قادرون على التهديد والوعيد؟ خامسًا – هل يجوز في القانون أن يُقال إن تحديد الجرم يتم على أساس “الشخص المحوِّل، أي المصرفي، فيما تحويل المواطن العادي للأموال لا يعدّ جرمًا”؟ في الخلاصة، يعتبر المصدر المالي أن ما نُقل عن مصادر النيابة العامة المالية، يستدعي التوقف عنده، خصوصًا أن المعلومات تشير إلى أن النيابة العامة تحاول التوسع في هذه القضية في اتجاه واحد، أي أنها تريد توجيه إدانات حصرية واستنسابية للمصرفيين دون سواهم، وأنها حاولت أن تحصل على معلومات تتعلق بتحويلات هؤلاء قبل 17 تشرين، أي عندما كانت المصارف تعمل بشكل طبيعي، وكان يحق لأي مودع، صغيرًا كان أم كبيرًا، أن يحوّل أو أن يسحب أمواله أو أن ينقلها من مصرف إلى آخر. فهل المطلوب محاسبة الناس، لأنهم مارسوا حريتهم وفق قانون الاقتصاد الحر، الذي كان ولا يزال قائمًا في البلد؟ أم أنه يمكن ممارسة الانتقائية هنا أيضًا، من خلال اختيار الحلقة الأضعف، للقيام باستعراض شعبوي لن يوصل سوى إلى مزيد من اهتزاز الثقة؟ 3 حقائق و5 اسئلة في شأن تحويل الأموال: الثقة لا تعود بالانتقائية .

Read more

Continue reading