لولا السابع من أكتوبر…
  • أكتوبر 6, 2025

سيُكتَب الكثير عن تاريخ السابع من أكتوبر، وستُكشَف تباعًا أسرار عملية «طوفان الأقصى»، بدءًا من دور إيران في التخطيط والتنفيذ، مرورًا بخلفيات العملية وسقفها وتوقيتها والمتوقّع منها، والخلل الذي قد يكون اعتراها، وصولًا إلى الفشل الاستخباري الإسرائيلي وأسبابه ومن يتحمّل مسؤوليته. غير أن ما سيُكتَب للتاريخ يتجاوز العملية العسكرية بحد ذاتها، لأن هذا الحدث غير المتوقّع غيّر وجه المنطقة بأكملها، وأخرجها من السيطرة الإيرانية وقواعد الاشتباك بين إسرائيل وأذرع إيران، إلى شرق أوسط خال للمرة الأولى منذ ما يقارب نصف قرن من الممانعة بشقيها الأسد والملالي. وهذا التغيير الكبير ما كان ليحصل لولا حرب يحيى السنوار، بل كانت إيران تُحصِّن مواقعها وتتمدّد في أنحاء المنطقة كلها. وما هو مؤكّد أن «حماس» لم تكن تتوقّع ردّ الفعل الإسرائيلي بالذهاب إلى مواجهة حاسمة لا مكان فيها لقواعد اشتباك وأنصاف حلول، وأن إسرائيل ستواصل حربها حتى القضاء على الحركة واستئصالها، شأنها شأن “حزب الله” الذي لم يتوقّع بدوره ان تبدِّل تل أبيب استراتيجيتها المعتمدة منذ العام 1996، وأن تكسر الخطوط الحمر وتقلب الطاولة رأسًا على عقب وتصرّ على نهايته العسكرية. وما ينطبق على السنوار والسيد حسن نصرالله ينسحب على بن لادن، الذي لم يكن يتوقّع هو أيضًا أن تكتب عملية 11 أيلول 2001 نهايته ونهاية تنظيمه، لأن أي عملية تخرج عن حدّها تعرِّض من قام بها للشطب والإلغاء. وإذا كانت إيران المستفيد الأول من بن لادن الذي أسقط لها الحاجز العراقي، فإنها المتضرِّر الأول من السنوار الذي أسقط أذرعها الواحدة تلو الأخرى، وسيعيدها إلى داخل حدودها ويعرِّض نظامها للسقوط. وقد ظن البعض أن مصافحة ياسر عرفات وإسحاق رابين في أيلول 1993 ستطوي صفحة النزاع التاريخي بين الفلسطينيين والإسرائيليين، لكن تقاطع التطرف الإسرائيلي مع الممانعة أدى إلى إجهاض هذه المحاولة التي كان يُفترض أن تنقل المنطقة إلى واقع جديد، فتواصل الصراع واستعر وتطوّر، وتحولّت فيه إيران إلى اللاعب الأقوى في المنطقة. ومع سقوط نظام الأسد، وهزيمة “حماس” و”حزب الله”، وتحوّل طهران إلى اللاعب الأضعف في الشرق الأوسط، وفي ظل الاندفاعة الأميركية لإنهاء الصراع التاريخي في هذه المنطقة، والاعترافات الدولية غير المسبوقة بالدولة الفلسطينية، بات من الصعب إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. ولن يكون باستطاعة التطرُّف الإسرائيلي مواجهة الزخم الدولي، خصوصًا بعدما أسقط بنفسه الفريق الذي أعطاه الذريعة لعرقلة قيام دولة فلسطينية. لقد كتب السنوار الفصل الختامي للممانعة في المنطقة، وللعمل المسلّح الذي لم يكن هدفه دولة فلسطينية بل حربًا للحرب. فبماذا استفادت «حماس» من حرب الطوفان؟ وماذا حقّقت؟ وهل وضعها أفضل اليوم مما كان عليه قبل السابع من أكتوبر؟ وهل وضع أهل غزة أفضل اليوم مما كان عليه عشية حرب الطوفان؟ أي مراجعة لعمل هذه التنظيمات تخلص إلى نتيجة واضحة وحاسمة، أن إنجازاتها لا ترتفع عن الصفر، وأنها تدمِّر مجتمعاتها وتبقى في حالة حروب لا تنتهي، ولا هدف لها أساسًا سوى الحرب. فهي تنتحر وتنحر من معها. والأكيد أن وضع أهل غزة كان أفضل بكثير مما هو عليه اليوم، وكانوا في غنى عن هذه الحرب التي قتلت منهم عشرات الآلاف، وهجرتهم وشرّدتهم ودمرت قراهم ومنازلهم. ويخطئ من يعتبر أن هذا النوع من التنظيمات يمكن أن يتعظ، والحل الوحيد معها هو إنهاء قدراتها العسكرية بالقوة. وها هو “حزب الله”، وعلى رغم الخسائر الهائلة التي مُني بها، واستسلامه الخطي في 27 تشرين الثاني 2024، وعلى الرغم من الموت والدمار والتهجير، وعجزه عن حماية عناصره الذين يقتلون يوميًا، وعدم جرأته على رمي الحجارة على إسرائيل لا الصواريخ، ما زال يصرّ على المنطق نفسه، وكأن شيئًا لم يحصل، وبالتالي لا حلّ معه سوى بإنهاء مشروعه المسلّح بالقوة، الذي شكل الضرّر الأكبر على لبنان واللبنانيين. فلولا “حماس” وأخواتها من تنظيمات وتشكيلات، ونظاما الأسد وإيران، لكان نجح أبو عمار في إرساء الدولة الفلسطينية. وإذا كان أي تنظيم فلسطيني يُمنح بعض الأسباب التخفيفية كونه يقاتل على أرضه، فلا أسباب تخفيفية إطلاقًا لـ”حزب الله” الذي شكل قوة احتلال إيرانية، وكل هدفه إلحاق لبنان بإيران بحجة المواجهة مع إسرائيل. لقد تلقّت الممانعة ضربة قاتلة وقاضية، وهناك حرص دولي على إنهاء ذيولها في دول انتشارها، وصولًا إلى محاصرة إيران وإسقاط نظامها، كما إن هناك حرصًا على السهر على قبرها منعًا لعودتها. والأكيد أن المنطقة ستبدأ بالتشكُّل من جديد بعيدًا من الخط الذي أبقاها مشدودة إلى الماضي والحروب والفوضى. ولولا السابع من أكتوبر، لما كانت هناك فرصة لقيام دولة فلسطينية ولبنانية وسورية، ومستقبلًا عراقية ويمنية وإيرانية. ولولا السابع من أكتوبر، لكان الشرق الأوسط ما زال قابعًا في الظلم والظلام وتمدُّد مشروع الموت الإيراني. ولولا السابع من أكتوبر، لكان لبنان ما زال خاضعًا لذراع إيران المسماة «حزب الله»، وفي ظل خطر وجودي حقيقي على الهوية والتعددية اللبنانية. لقد أنقذ السابع من أكتوبر لبنان واللبنانيين من السرطان الإيراني، وأخرجهم من غرفة العناية إلى الحياة من جديد. لولا السابع من أكتوبر… .

Read more

Continue reading
بعد “حماس”… “الحزب”
  • أكتوبر 6, 2025

يجمع كثير من المحلّلين على أنّ حرباً إسرائيليّة ستُشنّ على حزب الله حتماً، ويعزّز من هذا الاعتقاد أنّ خطّة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن غزة تسلك طريقها نحو التنفيذ، ما يبقي “الحزب” وحيداً في التمسّك بسلاحه، بعد “سقوط” جبهة غزة. لا يمكننا، بالتأكيد، الجزم بحدوث الحرب، ولكن من المنطقي أن ترامب لن يبقي لبنان، بعد ما حصل في سوريا وما يحصل في غزة، نقطة ساخنة بإمكان حزب الله أن يستخدمها كورقة إيرانيّة. لا بل أنّ ترامب كان لافتاً جدّاً في كلامه عن نيّته القضاء بشكلٍ كامل على “حماس” في حال أصرّت على البقاء في السلطة. ويعني ذلك، ببساطة، أنّ ما يرفضه ترامب لـ “حماس” لن يوافق عليه لـ “حزب الله”، وهو لن يوفّر سبيلاً لسحب سلاحه وتقويض نفوذه في السلطة اللبنانيّة، عبر الأطر الدبلوماسيّة التي يعتمدها حاليّاً، أو عبر إعطاء الضوء الأخضر لبنيامين نتنياهو لشنّ ضربات مكثّفة على حزب الله تؤدّي الى القضاء بشكلٍ كامل على ترسانته العسكريّة، وربما استهداف من تبقّى من قيادته، في استعادةٍ لمشهد أيلول من العام المنصرم، ما سيؤدّي إلى تهجيرٍ إضافيّ ودمارٍ لأبنية سكنيّة وسقوط مدنيّين… لسنا نقول إنّ الحرب واقعة. إلا أنّ احتمال اندلاعها كبير. وإن حصلت، فسيكون المسؤول عنها حزب الله الذي يتعنّت في رفض تسليم سلاحه شمال الليطاني، من دون أن يستخدم هذا السلاح لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي، ما يحوّل مهمّته الى داخليّة ويُسقط، تماماً، صفة المقاومة عن “الحزب” ويكرّسه كميليشيا تموّلها إيران وهدفها منع الاستقرار الداخلي. بعد “حماس”… “الحزب” .

Read more

Continue reading
بعد إبطال “الدستوري” وملاحظات صندوق النقد… هل يُعاد النظر بقانون الإصلاح المصرفي؟
  • أكتوبر 6, 2025

في وقت يقبع المودعون، في إنتظار معاينة النتائج الإصلاحية لتطبيق الــ”قانون رقم 23/2025 المتعلق بإصلاح وضع المصارف وإعادة تنظيمها”، استجد على تطبيقه امران قد يؤخّرا العمل به بضعة أشهر. الأول، طلب صندوق النقد الدولي تعديل نحو 11 مادة من القانون المذكور. إذ يتضح أنه يحاول إبعاد “شبح” المصارف عن المشاركة في قرارات التقييم والمعالجة، وهو ما ورد صراحة، في طلبه تأجيل مشاركة رئيس المؤسسة الوطنية لضمان الودائع، في الهيئة المصرفية العليا، لعلة أنه “يتم انتخابه من مجلس إدارة يهيمن عليه ممثلو المصارف”. فيما أوصى “بإزالة آلية الاعتراض” التي تسمح للمصارف بالإعتراض على التقييم المستقل، “طلب أيضا، أن تشمل “صلاحيات المدير الخاص … صلاحيات الجمعية العمومية”. والثاني، قرار المجلس الدستوري رقم 16/2025، الذي قضى بإبطال القانون جزئيا، وذلك بعد طعن قدّمه عشرة نواب. وقد شمل الإبطال عدداً من المواد والعبارات التي رآها مخالفة للدستور، فيما رد المجلس باقي الأسباب وأبقى على جوهر القانون نافذا مع بعض التعديلات. فما بين ملاحظات صندوق النقد والابطال الجزئي للمجلس الدستوري، يطرح السؤال عن مصير القانون؟ المجلس الدستوري لم يلغ أي من المندرجات الأساسية للقانون، وإقتصرت “الإبطالات” على مواد لن تكون عائقا أمام تنفيذه، أو على مسار العلاقة مع صندوق النقد. وهو ما أكده المحامي أكرم عازوري لـ”النهار” الذي أوضح أن “الإبطال الذي قرره المجلس الدستوري هو ابطال جزئي، ويعد إبطالا تقنيا لا يؤثر على فعالية القانون، ولا يغير في موقف صندوق النقد حيال مساعدة الدولة اللبنانية”، موضحا أن “القانون لا يزال قائما، وسيؤخذ بملاحظات المجلس الدستوري عند اصداره في الجريدة الرسمية”. الى ذلك تؤكد مصادر متابعة ان التعديلات التي أوردها من المجلس الدستوري تعتبر شكلية ومقبولة، ولم تمس جوهر القانون، فيما يصر صندوق النقد على تطبيق وصفة موحدة لا تأخذ خصوصية لبنان في الاعتبار. فالأزمة في لبنان ليست أزمة مصرفية تقليدية، بل أزمة نظامية شاملة ناتجة عن سياسات مصرف لبنان، ولا يمكن معالجتها بالطرق المعتادة”. بالعودة الى إبطالات المجلس الدستوري، فإن أهم المواد التي شطبت، تتعلق بإبطال عبارة “الملزمة الحكومة إحالته الى المجلس النيابي” التي إعتبر انها لا تحترم فصل السلطات، وشطب الإلتباس والتناقض في تاريخ الأزمة، وطالب ” باعتماد التاريخ الغالب في القانون أي تاريخ 17 تشرين الأول 2019″. وأبطل فقرة من المادة 16، التي تنص على أنه “يعود للهيئة المصرفية العليا عدم اعتماد المبدأ العام القاضي بمعاملة الدائنين من ضمن المرتبة الواحدة بالتساوي…” وكذلك أبطل فقرة من المادة 29 تتعلق بالدعاوى العالقة بين مودع ومصرف، وإحالتها” إداريا الى المحكمة الخاصة في غضون شهر من تعيين لجنة التصفية”. وشطب عبارة “لا يوقف الطعن أمام المحكمة المختصة تنفيذ القرار المطعون فيه ولا يبطل القرارات المتخذة سابقا من الهيئة المصرفية العليا”. أما صندوق النقد سلسلة فوجه سلسلة ملاحظات على قانون إعادة هيكلة المصارف، محذرا من ثغرات قانونية قد تقوض فعاليته وتضعف حماية المودعين والدائنين. أبرز هذه الملاحظات تتعلق باقتراح تجميع حسابات المودعين عبر كل المصارف، إذ رأى الصندوق أن هذا التوجه لا يراعي حقوق المودعين داخل كل مصرف على حدة، ويخالف مبدأ “عدم الإضرار بأي دائن” المعتمد دوليا. كما سجل الصندوق تحفظا على تشكيل الهيئة المصرفية، داعيا إلى استبعاد الجهات المرتبطة بالمصارف أو الحكومة، وتعزيز معايير الاستقلالية ومنع تضارب المصالح. وانتقد أيضا منح المصارف حق الاعتراض على التقييم المستقل قبل بدء المعالجة، معتبرا ذلك انحرافا عن الممارسات الفضلى ويؤدي إلى إبطاء الإجراءات. وفي ما يخص التصفية، رأى الصندوق أن المسودة الحالية تفتقر إلى أحكام جوهرية تتعلق بآثارها القانونية، وطالب بإيضاحها. وشدد على ضرورة منح الهيئة المصرفية العليا صلاحيات مرنة لا تخضع للتدخل القضائي إلا في حالات نادرة، وعلى ألا تحمل كلفة المعالجة لمصرف لبنان بل للمصرف المعني. وفي ملف رسملة المصارف، رأى الصندوق أنه “لا يمكن إلزام المصارف بضخ رأس مال أو سيولة دون احتساب الخسائر غير المحققة من مطالباتها لدى مصرف لبنان. فأي خطة لإعادة الرسملة يجب أن تستند إلى معلومات مالية عادلة تعكس هذه الخسائر”. وحذر أيضا من استثناء الودائع العامة من ترتيب الدائنين، واصفا ذلك بأنه انحراف عن المعايير الدولية ويشكل خطرا على مبدأ العدالة بين الدائنين. بعد إبطال “الدستوري” وملاحظات صندوق النقد… هل يُعاد النظر بقانون الإصلاح المصرفي؟ .

Read more

Continue reading
أصحاب الشاحنات يقطعون طريق ضهر البيدر الدولية… واحتجاز مواطنين في سياراتهم!
  • أكتوبر 6, 2025

عمد عدد من أصحاب الشاحنات على قطع طريق ضهر البيدر الدولية  عند مفرق فالوغا في الاتجاهين، ممّا تسبّب بزحمة خانقة وتوقّف لحركة السير، وذلك احتجاجاً على “احتجاز عدد من شاحناتهم”. وطالب المحتجون بالإفراج عن الشاحنات المحتجزة ومعالجة الموضوع. كما تعمل القوى الأمنية على إعادة فتح الطريق أمام حركة السير والآليات. أصحاب الشاحنات يقطعون طريق ضهر البيدر الدولية… واحتجاز مواطنين في سياراتهم! .

Read more

Continue reading
ما بين القصر الجمهوري والسراي الحكومي أكثر من جسر تواصل
  • أكتوبر 6, 2025

على رغم أن صلاحيات رئيس الجمهورية وفقًا لاتفاق الطائف قد تقلّصت إلى ما دون عدد أصابع اليد الواحدة، إلاّ أن ما تبقّى له منها كافٍ لتمكينه من تصويب البوصلة عندما تتعرّض البلاد لخطر الابتعاد عن الأهداف المرسومة لها بالدستور كإطار ثابت ووحيد لتجميع ما تفرّقه السياسة عبر الممارسات الخاطئة، والتي يقع فيها جميع المكونات السياسية من دون استثناء. وهذا الأمر يعطي لرئيس الجمهورية، وبالأخص للرئيس الحالي العماد جوزاف عون، الآتي إلى الحكم بإجماع وطني شبه شامل، مشروعية وضع الأمور في نصابها الطبيعي والواقعي، وذلك بعيدًا عن ممارسة الكيدية السياسية، التي مورست في السابق، وبعيدًا عمّا يُسمّى “تصفية حسابات”، وكذلك بعيدًا عن المحاصصات المصلحية، وبعيدًا عن الانتقائية. ولأن لرئيس الجمهورية، أيًّا يكن هذا الرئيس، وعلى رأسهم الرئيس الحالي، هذا الدور التوفيقي والتوافقي، فقد أعطاه الدستور حصرية قسم اليمين، وهو الوحيد من بين سائر الرؤساء الآخرين المنوطة بهم مسؤولية الرئاستين التشريعية والتنفيذية، يُعتبر “رمزًا لوحدة الوطن” بحسب الدستور، وبحسب ما يقوم به من أدوار توفيقية، وهو الحكم الحكيم، وليس الحاكم بأمره، وذلك انطلاقًا من أن النظام اللبناني برلماني وليس رئاسيًا كما هي الحال في عدد من الدول. فالاختلاف في وجهات النظر بين الرئيس الأول والرئيس الثالث في التراتبية الهرمية في سدة المسؤولية أمر طبيعي في الحياة الديمقراطية، إذ ليس مطلوبًا أن يكون الجميع على رأي واحد. ولكن الاختلاف لا يعني أبدًا الخلاف. وهذا ما هو حاصل بين اللبنانيين، الذين لم يبلغوا بعد مرحلة النضوج الديمقراطي، لأن الآخر بالنسبة إليهم هو دائم عدو. وهذا ما كان يُصّور لهم لأغراض لم تعد خافية على أحد. والتخويف من الآخر يعني أن يكون هذا الآخر على استعداد دائم للدفاع عن نفسه وعن آرائه وأفكاره. وهذه العدائية المجانية تقود حتمًا إلى التباعد والاستفزاز المتبادل، وصولًا إلى حملات التخوين. فالاختلاف في وجهات النظر وفي المقاربات بين رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام على خلفية ما حصل في الروشة، وما تبع ذلك من مواقف ومن ملابسات لا يعني بالضرورة أن باب الاجتهاد قد أقفل تمامًا. فما كان يُعتقد بأنه كان خطأ بالأمس قد يتحوّل اليوم إلى صواب. والعكس أيضًا صحيح. ففي المقاربات السياسية لا يمكن أن يكون أحد على خطأ مطلق والآخر على حق كامل. هذه هي طبيعة العلاقات اليومية بين المسؤولين، الذين لكل منهم رؤية مختلفة عن الآخر. وهذا لا يعني أن هذا الاختلاف في وجهات النظر سيؤدي حتمًا إلى قطع حبل التواصل، وإلى شلل عمل المؤسسات، خصوصًا إذا كان كل من هؤلاء المسؤولين يحرص على أن تكون المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار. وما عدا ذلك فتفاصيل يمكن أن تُطرد منها شياطينها بمجرد أن يعترف كل منهم بأن لا شيء نهائيًا في العمل السياسي، الذي يتطلب قبل أي شيء آخر التعامل مع الوقائع اليومية بحكمة وبعد نظر. وفي نهاية المطاف فإن من مصلحة كل من الرئيسين عون وسلام التفاهم على الخطوط العريضة للعمل المؤسساتي من ضمن احترام الصلاحيات المعطاة لكل منهما بموجب الدستور. فالأمور بين الرجلين آيلة حتمًا إلى تقريب المسافة التي تفصل بين القصر الجمهوري والسراي الحكومي من خلال ما يمكن التفاهم عليه بالنسبة إلى المواضيع الحسّاسة، والتي أثارت بعض الالتباس في المواقف، التي أُطلقت مؤخرًا، والتي شابها بعض التسرّع غير المقصود. فالعلاقة بين الرجلين محكومة بالتوافق على عكس ما كان يحصل في العهد الماضي، الذي قطع نصفه تقريبًا من دون حكومات، وذلك بفعل عدم الانسجام بين الرئاستين الأولى والثالثة، وذلك نتيجة اعتقاد بعض الذين كانوا يعملون من خلف ستارة القصر الجمهوري بأن النظام رئاسي. وهذا ما أدّى إلى عدم التوافق بين الرئيس ميشال عون وجميع رؤساء الحكومات، الذين تولوا مسؤولية السلطة التنفيذية الأولى بموجب اتفاق الطائف بين العامين 2016 و2022. وهذا ما أدّى إلى ما وصلت إليه البلاد من تسيّب غير مسبوق. فالجلسة التي سيعقدها مجلس الوزراء اليوم الإثنين ستكون المحك في طريقة التعاطي مع التطورات، خصوصًا أن الوزراء سيطلعون على أول تقرير ستقدمه قيادة الجيش عمّا تمّ إنجازه، وعمّا تبقى لاستكمال الخطّة في مرحلتها الأولى في المنطقة الجغرافية جنوب نهر الليطاني، وما رافقها من عراقيل، وما يمكن أن يعترضها من صعوبات مستقبلية. وبطبيعة الحال، فإن مسألة موافقة حركة “حماس” على خطة الرئيس الأميركي بالنسبة إلى مستقبل قطاع غزة ستكون حاضرة على طاولة بعبدا، مع التطرق إلى مدى تأثير ذلك على الساحة اللبنانية من جوانبها كافة، السلبي منه والايجابي. ما بين القصر الجمهوري والسراي الحكومي أكثر من جسر تواصل .

Read more

Continue reading