إيران هُزمت… نقطة
  • أكتوبر 6, 2025

تكشف تصريحات المسؤولين العسكريّين الإيرانيّين وقادة “الحزب”، لا عمّا تقوله فحسب عن وهم القوّة والاقتدار، بل عمّا تخفيه أيضاً من شعور عميق بالضعف والهزيمة. بينما تتقدّم خطّة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب على أنقاض “طوفان الأقصى”، وتتهيّأ المنطقة لموجة جديدة من الاتّفاقات الإبراهيميّة، وسط توافق دوليّ وإقليميّ غير مسبوق، جدّد قائد فيلق القدس في “الحرس الثوريّ” الإيرانيّ إسماعيل قاآني تنصُّل بلاده من هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأوّل، وقال الشيخ نعيم قاسم إنّ “الحزب” لا يردّ على الضربات الإسرائيليّة اليوميّة “لمنعها من التوحّش”. لنتخيّل للحظة أنّ “حماس” انتصرت. هل كان موقف إيران ليكون بهذا الزهد وهذه الدقّة العملياتيّة حول من علم ومن لم يعلم بدقائق الهجوم؟ لنتخيّل للحظة أنّ نعيم قاسم في وضع عسكريّ مختلف، ولم تتحطّم بنية حزبه البشريّة واللوجستيّة، هل كان ليقدّم لنا “الصبر الاستراتيجيّ” كحكمة تستعدي الإشادة والتهنئة أم كان ليصدّع رؤوسنا بـ”جدوى الردع” و”رعب الإسرائيليّ” و”ارتباك العدوّ”!!! تفتح تصريحات قاآني وقاسم نوافذ تطلّ على واقع التآكل البنيويّ لمشروع استراتيجيّ طموح بنَته إيران على مدى أربعة عقود. هي اعترافات غير مباشرة بفشل نموذج “المقاومة الشاملة”، و”وحدة الساحات”، التي بحسب قآاني يغنّي كلّ من فيها على ليلاه. اعتراف بوهم قوّة الردع التي تمثّلها الميليشيات الملحقة بالحرس الثوريّ، وإفلاس خطاب “الممانعة”، وانكشاف الفجوة الهائلة بين الادّعاء والقدرة، بين الخطاب الدعائيّ والواقع الميدانيّ. النأي بالنّفس عن الهزيمة صحيح أنّه سبق لإيران أن تنصّلت أكثر من مرّة من “طوفان الأقصى”، لكنّها ظلّت، في الوقت نفسه، تمانع اتّفاقات وقف إطلاق النار حتّى بلسان المرشد علي خامنئي. وعليه فإنّ إعادة التذكير الآن، ليست أكثر من محاولة للنأي بالنفس عن الهزيمة القاصمة التي تتهيّأ “حماس” لتجرّعها، ولأنّ الهجوم الذي قيل يومها إنّه ردٌّ على مسارات السلام الشامل في الإقليم، وإفشال متعمّد لمخطّطات التطبيع، تُبنى في خواتيمه صفحات سلام إضافيّة لم ينجح “الطوفان” في منعها. الصورة قاتمة كيفما نُظر إليها. إمّا أنّ إيران أمام قائد ضعيف لا يسيطر على محوره، أو أنّنا أمام دولة تقود محوراً مع كامل الجهوزيّة للتخلّي عن حلفائها حين تشتدّ الأزمة. كيف يمكن لإيران أن تدّعي قيادة “محور المقاومة” عندما تتبرّأ من أكبر عمليّة عسكريّة نفّذها المحور، وتتوقّع أن تحفظ المصداقيّة الاستراتيجيّة للمشروع الإيرانيّ؟ كيف يمكن للفصائل الأخرى، أو على نحو أدقّ لجماهير هذه الفصائل، حتّى لو لم تصرّح بذلك، أن تطمئنّ لدعم استراتيجيّ من قوّة تتنصّل من مسؤوليّاتها؟ هذه أسئلة لا تمليها المساجلات السياسيّة مع إيران وأدواتها، بل هي تحدّيات وجوديّة تواجه المحور وقيادته العليا، بشأن معنى وجدوى ومتانة هذا التحالف. انقلاب على الأيديولوجية أمّا قول نعيم قاسم إنّ “الحزب” لا يردّ على الاعتداءات الإسرائيليّة “لئلّا يسمح لإسرائيل بالتوحّش أكثر”، فيفصح عمّا هو أبعد من التعثّر والفشل، ليصل إلى حدود الانقلاب على المفاهيم الأساسيّة التي قامت عليها أيديولوجية “الحزب”. نحن بإزاء تنظيم بنى شرعيّته على “الردع” و”المواجهة” و”عدم الخوف من التضحية”، وهو يبرّر الآن عجزه عن المواجهة، بالخشية من “التوحّش الإسرائيليّ”، في حين أنّ “الحزب” نفسه يتوحّش على الدولة اللبنانيّة وحكومتها ورئيس الحكومة. لنتذكّر أنّ جوهر ما يُسمّى “النصر الإلهيّ” في حرب 2006، والذي استند إليه “الحزب” كأساس لشرعيّته العسكريّة في الداخل اللبناني، يقوم على معادلة بسيطة: كلّ اعتداء إسرائيليّ سيقابَل بردّ فوريّ ومؤلم، وهذا الردّ هو ما يحقّق “الردع” ويحمي لبنان. كلام قاسم يعلن انهيار هذه المعادلة تماماً، في ضوء الاعتداءات الإسرائيليّة المتكرّرة والمتصاعدة، والتي تُقابَل بحكمة “الصبر الاستراتيجيّ”. الترجمة الواقعيّة لكلام قاسم هي أنّه اعتراف صريح بضعف “الحزب” العسكريّ، بعد أن خسر آلاف المقاتلين في حرب 2024، وتعرّضت بنيته العسكريّة والصاروخيّة لضربات مدمّرة. هو لم يعد يملك القدرة على خوض مواجهة جديدة من دون المخاطرة بالانهيار التامّ. لكن بدل أن يُوظّف هذا الضعف لاجتراح تسوية في الداخل، يتنازل “الحزب” أمام إسرائيل ويتطاول على شركائه في الوطن بأعلى درجات النزق والعجرفة. لعل أهمّ الخلاصات من تصريحات قاآني وقاسم وتناقضات خامنئي هو انهيار البنية الأيديولوجيّة لـ”محور المقاومة”. بُني هذا المحور على قاعدة الوضوح الأيديولوجيّ، الذي يتبنّى المواجهة الشاملة مع إسرائيل والغرب، ومقاومة “التسويات”، استعداداً “للنصر النهائيّ”. لكن في لحظة فارقة مثل اللحظة الراهنة، يختلط الضعف بالبراغماتيّة ومواجهة الهزيمة بمنطق التنصّل والانتهازيّة. تفكّك المحور عليه، من الصعب بعد الآن الترويج لـ”محور المقاومة” ككيان متماسك، في حين تظهره الوقائع شبكة هشّة من العلاقات التي تختلط فيها المصالح بحاجات التمويل والقناعات الأيديولوجيّة. لم تطرأ هذه الهشاشة الآن. هي معطى بنيويّ، في صلب تكوين المحور الذي يفتقر إلى التماسك الحقيقيّ، ورؤية استراتيجيّة موحّدة، وآليّات تنسيق فعّالة. لعقود، نجح “محور المقاومة” في بناء سرديّة قويّة: “النصر الإلهي” في 2006، “الصمود” في سوريا، “طوفان الأقصى” في 2023. لكنّ هذه السرديّة كانت دائماً أكبر من الواقع. الانتصارات كانت محدودة، الخسائر كانت فادحة، والمكاسب الاستراتيجيّة كانت هشّة. إنّ أفضل ما في اللحظة الراهنة هو انهيار مصداقيّة المحور، ليس فقط أمام الخصوم وحسب، بل أمام الحلفاء والجمهور المؤيّد. استثمرت إيران أربعة عقود من عمر الشعب الإيراني وشعوب المنطقة، ووظّفت موارد هائلة لبناء نفوذ إقليميّ عبر “محور المقاومة”. لكنّ النتيجة الماثلة أمامنا اليوم هي هزيمة عسكريّة متعدّدة الجبهات، وعزلة دوليّة متزايدة، وعقوبات اقتصاديّة مدمّرة متجدّدة، وفقدان الشرعيّة الشعبيّة في الشارع العربيّ، ونضوج تحالفات إقليميّة ضدّها حتى ولو غُلّفت بعكس ذلك. ما يقوله قاآني وقاسم بكلمات كثيرة تقوله الوقائع بعبارة بسيطة. إيران هُزمت. إيران هُزمت… نقطة .

Read more

Continue reading
وزير العدل ومجلس كتاب العدل… وجهًا لوجه هل سيمرّ التعميم 1355؟
  • أكتوبر 6, 2025

في بلد اعتاد أن تتسلّل إليه الأموال المظلمة تحت عباءة القوانين، جاء التعميم رقم 1355 لوزير العدل عادل نصّار كطلقة إنذار في وجه منظومة التحايل التي غذت لعقود اقتصاد الظلّ اللبناني. فالتعميم الذي وجّهه الوزير إلى كتاب العدل يتضمّن منع إجراء أي معاملة توثيق أو تصديق أو تفويض أو بيع أو نقل ملكية لأيّ شخص أو جهة مدرجة على لوائح العقوبات الدولية، سواء الصادرة عن مجلس الأمن أو وزارة الخزانة الأميركية أو الاتحاد الأوروبيّ. لكن هذا التعميم جاء ليطرح أكثر من علامة استفهام قانونية إذ تؤكّد مراجع قانونية ودستورية أنه كان عليه أن يراعي أصولًا قانونيّة معيّنة بما فيها صدور قرار عن مجلس الوزراء وعدم تقييد الملكية الفردية التي حماها الدستور، ونقاطًا أخرى لا تراعي الدستور والقانون. ما الذي كان يجري واستدعى إصدار التعميم؟ لقد كان لبنان، في مراحل كثيرة، ساحة لتبييض أموال تدار من خلف الستار عبر توكيلات وهمية وشركات صورية وإمكانية تنفيذ معاملات قانونية عبر وكلاء أو أسماء وسيطة أمام بعض كتاب العدل. هذه الثغرات سمحت لأفراد وكيانات خاضعة للعقوبات بمواصلة أعمالهم ونقل ملكيات أو تأسيس شركات جديدة بأسماء أقارب أو شركاء موالين، كما مكّنت «حزب اللّه» وشبكاته المالية من التمدّد داخل النظام المالي والقانوني نفسه ما جعل لبنان عرضة لاتهامات بالتراخي في تطبيق منظومة الامتثال المالي الدولي. مصادر قانونية فندت لـ «نداء الوطن» الآليات الشائعة المستخدمة: – بعض كتاب العدل كانوا يبرمون توكيلًا باسم وسيط، دون التحقق الكامل من الخلفية الجنائية أو وجود الاسم في لوائح العقوبات المحلية أو الدولية. – إخفاء «المالك الحقيقي» عبر استخدام هيئات أو شركات «صب» (front companies) بأسماء أقارب أو شركاء غير ظاهرة، لتسجيل الأصول تحتها، بينما السيطرة الحقيقية تكون لشخص مدرج على لوائح العقوبات كما حصل من خلال استخدام شركات مرتبطة بمعاقبين دوليًا لتبييض الأموال وتحويلها لصالح «حزب اللّه». – التنقل عبر «السلع النفيسة والفن» وتحويل الأموال إلى سلع ثمّ بيعها أو إعادة تصديرها—مثل الألماس أو اللوحات الفنية—كي تبدو كمعاملات تجارية عادية واستخدام شركاتٍ متعدّدة لتصدير أعمال فنيّة وشرائها وللتلاعب في الفواتير والمستندات لتخبئة الأموال ضمن «أنشطة مشروعة». – استخدام مؤسّسات مالية لبنانية وأخرى مرتبطة بـ «حزب اللّه» شاركت في عمليات غسيل أموال عبر شراء سيارات مستعملة في الولايات المتحدة، ثمّ بيعها في غرب أفريقيا وتحويل العائدات إلى لبنان. – استخدام عائدات تجارة المخدّرات لتمويل عمليات مشبوهة، ثمّ ضخها في الاقتصاد اللبناني. لماذا جاء التعميم الآن؟ مصادر متابعة تشير إلى أن التعميم جاء استباقًا لأيّ إدراجات جديدة متصلة بالوضع الإقليميّ، وخصوصًا بعد تصاعد المراقبة الدولية لتحرّكات مالية مرتبطة ببيئة «حزب اللّه» ومؤسساته الاقتصادية والمالية. كما أنه جاء عشية استعداد لبنان في تشرين الثاني المقبل لتقديم تقرير مفصّل إلى مجموعة العمل المالي حول الخطوات والإجراءات المتخذة لمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب. ويجمع خبراء في الشأن المالي على أن كتلة مالية غير قليلة كانت تمرّ عبر بوّابات بعض كتاب العدل، سواء من خلال توكيلات أو هبات ظاهرها قانونيّ وباطنها عمليات تبييض أموال وتمويه لملكية عقارات وشركات لصالح أفراد مرتبطين بـ «حزب اللّه» أو شخصيات مدرجة على لوائح العقوبات. هذا الاستخدام الممنهج للثغرات القانونية ساهم في إبقاء شبكة تمويل «الحزب» ناشطة ضمن الحدود اللبنانية، رغم القيود المصرفية المفروضة منذ العام 2016. وزير العدل ومجلس كتاب العدل… وجهًا لوجه وعلمت «نداء الوطن» أن اجتماعًا سيعقد اليوم بين الوزير نصّار ومجلس كتاب العدل الذي سيعرض الهواجس والإمكانات وسيسمع في المقابل وجهة نظر الوزير وكيفية التطبيق. كما يرجح أن يبحث أيضًا التعميم في جلسة مجلس الوزراء إلى جانب البحث في الإجراءات التي يتمّ اتخاذها على خلفية «صخرة الروشة». مصادر كتاب العدل أكّدت أنهم فوجئوا بالتعميم وأن هناك 6 مواد غير قابلة للتطبيق لأنهم ليسوا جهازًا أمنيًا وما يطلب منهم يفوق المهام المنصوص عليها في نظام كتاب العدل. وتساءلت المصادر: كيف يمكن التحقق من أن كلّ أطراف الوكالة أو المعاملة غير مدرجين على لوائح العقوبات؟ وكيف يمكن التحقق من مصدر الأموال؟ ومن لديه القدرة على ذلك؟ وما هي آليّة التطبيق؟ وذكّرت المصادر بمشروع الربط الإلكتروني كما هو الحال لدى كتاب عدل فرنسا والذي لا يزال قيد الدرس منذ سنوات، وإقراره أهمّ بكثير من التعميم الذي صدر. وأشارت إلى أن التعامل التجاري في لبنان أصبح بالتعامل النقدي بعد أزمة المصارف، وطالما لم تحلّ الأزمة المصرفية، فإن الأمور لن تستقيم لا سيّما أن معظم اللبنانيين لديهم أموال نقدية في منازلهم.وتحدثت مصادر كتاب العدل عن شوائب قانونية كثيرة موجودة في التعميم وأنهم قد يتجهون إلى الطعن به لدى مجلس شورى الدولة. في المحصّلة، تعميم وزير العدل أمام تحدّيين. الأول سياسي، وسيتظهّر في إمكانية طرح الملف من قبل الوزيرين المحسوبين على «حزب اللّه» في جلسة مجلس الوزراء في ظلّ الخلل القانوني للتعميم. والثاني قضائيّ، مع إمكانية توجّه مجلس كتاب العدل للطعن بالتعميم أمام مجلس شورى الدولة. والسؤال: هل سيسلك طريقه نحو التطبيق أم أن التعميم ولد ميتًا؟ وزير العدل ومجلس كتاب العدل… وجهًا لوجه هل سيمرّ التعميم 1355؟ .

Read more

Continue reading
لولا السابع من أكتوبر…
  • أكتوبر 6, 2025

سيُكتَب الكثير عن تاريخ السابع من أكتوبر، وستُكشَف تباعًا أسرار عملية «طوفان الأقصى»، بدءًا من دور إيران في التخطيط والتنفيذ، مرورًا بخلفيات العملية وسقفها وتوقيتها والمتوقّع منها، والخلل الذي قد يكون اعتراها، وصولًا إلى الفشل الاستخباري الإسرائيلي وأسبابه ومن يتحمّل مسؤوليته. غير أن ما سيُكتَب للتاريخ يتجاوز العملية العسكرية بحد ذاتها، لأن هذا الحدث غير المتوقّع غيّر وجه المنطقة بأكملها، وأخرجها من السيطرة الإيرانية وقواعد الاشتباك بين إسرائيل وأذرع إيران، إلى شرق أوسط خال للمرة الأولى منذ ما يقارب نصف قرن من الممانعة بشقيها الأسد والملالي. وهذا التغيير الكبير ما كان ليحصل لولا حرب يحيى السنوار، بل كانت إيران تُحصِّن مواقعها وتتمدّد في أنحاء المنطقة كلها. وما هو مؤكّد أن «حماس» لم تكن تتوقّع ردّ الفعل الإسرائيلي بالذهاب إلى مواجهة حاسمة لا مكان فيها لقواعد اشتباك وأنصاف حلول، وأن إسرائيل ستواصل حربها حتى القضاء على الحركة واستئصالها، شأنها شأن “حزب الله” الذي لم يتوقّع بدوره ان تبدِّل تل أبيب استراتيجيتها المعتمدة منذ العام 1996، وأن تكسر الخطوط الحمر وتقلب الطاولة رأسًا على عقب وتصرّ على نهايته العسكرية. وما ينطبق على السنوار والسيد حسن نصرالله ينسحب على بن لادن، الذي لم يكن يتوقّع هو أيضًا أن تكتب عملية 11 أيلول 2001 نهايته ونهاية تنظيمه، لأن أي عملية تخرج عن حدّها تعرِّض من قام بها للشطب والإلغاء. وإذا كانت إيران المستفيد الأول من بن لادن الذي أسقط لها الحاجز العراقي، فإنها المتضرِّر الأول من السنوار الذي أسقط أذرعها الواحدة تلو الأخرى، وسيعيدها إلى داخل حدودها ويعرِّض نظامها للسقوط. وقد ظن البعض أن مصافحة ياسر عرفات وإسحاق رابين في أيلول 1993 ستطوي صفحة النزاع التاريخي بين الفلسطينيين والإسرائيليين، لكن تقاطع التطرف الإسرائيلي مع الممانعة أدى إلى إجهاض هذه المحاولة التي كان يُفترض أن تنقل المنطقة إلى واقع جديد، فتواصل الصراع واستعر وتطوّر، وتحولّت فيه إيران إلى اللاعب الأقوى في المنطقة. ومع سقوط نظام الأسد، وهزيمة “حماس” و”حزب الله”، وتحوّل طهران إلى اللاعب الأضعف في الشرق الأوسط، وفي ظل الاندفاعة الأميركية لإنهاء الصراع التاريخي في هذه المنطقة، والاعترافات الدولية غير المسبوقة بالدولة الفلسطينية، بات من الصعب إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. ولن يكون باستطاعة التطرُّف الإسرائيلي مواجهة الزخم الدولي، خصوصًا بعدما أسقط بنفسه الفريق الذي أعطاه الذريعة لعرقلة قيام دولة فلسطينية. لقد كتب السنوار الفصل الختامي للممانعة في المنطقة، وللعمل المسلّح الذي لم يكن هدفه دولة فلسطينية بل حربًا للحرب. فبماذا استفادت «حماس» من حرب الطوفان؟ وماذا حقّقت؟ وهل وضعها أفضل اليوم مما كان عليه قبل السابع من أكتوبر؟ وهل وضع أهل غزة أفضل اليوم مما كان عليه عشية حرب الطوفان؟ أي مراجعة لعمل هذه التنظيمات تخلص إلى نتيجة واضحة وحاسمة، أن إنجازاتها لا ترتفع عن الصفر، وأنها تدمِّر مجتمعاتها وتبقى في حالة حروب لا تنتهي، ولا هدف لها أساسًا سوى الحرب. فهي تنتحر وتنحر من معها. والأكيد أن وضع أهل غزة كان أفضل بكثير مما هو عليه اليوم، وكانوا في غنى عن هذه الحرب التي قتلت منهم عشرات الآلاف، وهجرتهم وشرّدتهم ودمرت قراهم ومنازلهم. ويخطئ من يعتبر أن هذا النوع من التنظيمات يمكن أن يتعظ، والحل الوحيد معها هو إنهاء قدراتها العسكرية بالقوة. وها هو “حزب الله”، وعلى رغم الخسائر الهائلة التي مُني بها، واستسلامه الخطي في 27 تشرين الثاني 2024، وعلى الرغم من الموت والدمار والتهجير، وعجزه عن حماية عناصره الذين يقتلون يوميًا، وعدم جرأته على رمي الحجارة على إسرائيل لا الصواريخ، ما زال يصرّ على المنطق نفسه، وكأن شيئًا لم يحصل، وبالتالي لا حلّ معه سوى بإنهاء مشروعه المسلّح بالقوة، الذي شكل الضرّر الأكبر على لبنان واللبنانيين. فلولا “حماس” وأخواتها من تنظيمات وتشكيلات، ونظاما الأسد وإيران، لكان نجح أبو عمار في إرساء الدولة الفلسطينية. وإذا كان أي تنظيم فلسطيني يُمنح بعض الأسباب التخفيفية كونه يقاتل على أرضه، فلا أسباب تخفيفية إطلاقًا لـ”حزب الله” الذي شكل قوة احتلال إيرانية، وكل هدفه إلحاق لبنان بإيران بحجة المواجهة مع إسرائيل. لقد تلقّت الممانعة ضربة قاتلة وقاضية، وهناك حرص دولي على إنهاء ذيولها في دول انتشارها، وصولًا إلى محاصرة إيران وإسقاط نظامها، كما إن هناك حرصًا على السهر على قبرها منعًا لعودتها. والأكيد أن المنطقة ستبدأ بالتشكُّل من جديد بعيدًا من الخط الذي أبقاها مشدودة إلى الماضي والحروب والفوضى. ولولا السابع من أكتوبر، لما كانت هناك فرصة لقيام دولة فلسطينية ولبنانية وسورية، ومستقبلًا عراقية ويمنية وإيرانية. ولولا السابع من أكتوبر، لكان الشرق الأوسط ما زال قابعًا في الظلم والظلام وتمدُّد مشروع الموت الإيراني. ولولا السابع من أكتوبر، لكان لبنان ما زال خاضعًا لذراع إيران المسماة «حزب الله»، وفي ظل خطر وجودي حقيقي على الهوية والتعددية اللبنانية. لقد أنقذ السابع من أكتوبر لبنان واللبنانيين من السرطان الإيراني، وأخرجهم من غرفة العناية إلى الحياة من جديد. لولا السابع من أكتوبر… .

Read more

Continue reading
بعد “حماس”… “الحزب”
  • أكتوبر 6, 2025

يجمع كثير من المحلّلين على أنّ حرباً إسرائيليّة ستُشنّ على حزب الله حتماً، ويعزّز من هذا الاعتقاد أنّ خطّة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن غزة تسلك طريقها نحو التنفيذ، ما يبقي “الحزب” وحيداً في التمسّك بسلاحه، بعد “سقوط” جبهة غزة. لا يمكننا، بالتأكيد، الجزم بحدوث الحرب، ولكن من المنطقي أن ترامب لن يبقي لبنان، بعد ما حصل في سوريا وما يحصل في غزة، نقطة ساخنة بإمكان حزب الله أن يستخدمها كورقة إيرانيّة. لا بل أنّ ترامب كان لافتاً جدّاً في كلامه عن نيّته القضاء بشكلٍ كامل على “حماس” في حال أصرّت على البقاء في السلطة. ويعني ذلك، ببساطة، أنّ ما يرفضه ترامب لـ “حماس” لن يوافق عليه لـ “حزب الله”، وهو لن يوفّر سبيلاً لسحب سلاحه وتقويض نفوذه في السلطة اللبنانيّة، عبر الأطر الدبلوماسيّة التي يعتمدها حاليّاً، أو عبر إعطاء الضوء الأخضر لبنيامين نتنياهو لشنّ ضربات مكثّفة على حزب الله تؤدّي الى القضاء بشكلٍ كامل على ترسانته العسكريّة، وربما استهداف من تبقّى من قيادته، في استعادةٍ لمشهد أيلول من العام المنصرم، ما سيؤدّي إلى تهجيرٍ إضافيّ ودمارٍ لأبنية سكنيّة وسقوط مدنيّين… لسنا نقول إنّ الحرب واقعة. إلا أنّ احتمال اندلاعها كبير. وإن حصلت، فسيكون المسؤول عنها حزب الله الذي يتعنّت في رفض تسليم سلاحه شمال الليطاني، من دون أن يستخدم هذا السلاح لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي، ما يحوّل مهمّته الى داخليّة ويُسقط، تماماً، صفة المقاومة عن “الحزب” ويكرّسه كميليشيا تموّلها إيران وهدفها منع الاستقرار الداخلي. بعد “حماس”… “الحزب” .

Read more

Continue reading