ليست أزمة تمويل… بل أزمة أولويات عالمية
-
يوليو, 23, 2026
ليست أزمة تمويل… بل أزمة أولويات عالمية
بقلم الدكتور قاسم السعد: لم يعد الحديث عن أزمة تمويل منظمات المجتمع المدني جديدًا. فمنذ سنوات، تتكرر الشكاوى من تقلص المنح، وتراجع المساعدات الدولية، وإغلاق البرامج، وتسريح الكوادر، وازدياد المنافسة على الموارد المحدودة. غير أن اختزال المشهد في عبارة “أزمة تمويل” لا يعكس حقيقة ما يجري، بل قد يحجب السبب الحقيقي وراء هذا التحول.
فالعالم لا يعاني من نقص في الموارد المالية، وإنما من تغير جذري في أولويات الإنفاق. لقد شهدت السنوات الأخيرة تحولات استراتيجية عميقة فرضتها الحروب، وتصاعد التنافس بين القوى الكبرى، وعودة سباقات التسلح، وتزايد المخاوف الأمنية. ونتيجة لذلك، أعادت الدول الكبرى رسم سياساتها المالية، فارتفعت موازنات الدفاع إلى مستويات غير مسبوقة، وتوسعت الاستثمارات في الصناعات العسكرية، والأمن السيبراني، والبنية التحتية الدفاعية، بينما تراجعت المخصصات الموجهة إلى القطاعات التي تستثمر في الإنسان.
ولم يعد هذا التحول مجرد توجه مالي، بل أصبح يعكس فلسفة سياسية جديدة ترى أن الأمن العسكري يتقدم على الأمن الإنساني، وأن حماية الحدود أكثر إلحاحًا من حماية الحقوق، وأن الردع بالسلاح أولى من الوقاية بالتنمية. وفي هذا السياق، جاءت كلمات الدكتورة لينا أبو حبيب، مديرة معهد الأصفري، خلال المؤتمر الوزاري الخامس للسياسة الخارجية النسوية في مدريد، لتلخص جوهر القضية بقولها إن المشكلة ليست في غياب الموارد، وإنما في كيفية تخصيصها. وهي عبارة تختصر بدقة ما يعيشه العالم اليوم؛ فالأموال موجودة، لكنها لم تعد تتجه إلى الأولويات نفسها.
فالبرامج التي كانت تُعنى بحقوق الإنسان، وحماية الأطفال، وتمكين الشباب، ودعم اللاجئين، وتعزيز حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، والإغاثة الإنسانية، والتنمية المستدامة، أصبحت تواجه تقلصًا مستمرًا في التمويل، ليس لأن أهميتها تراجعت، بل لأن أولويات الحكومات المانحة تغيرت. ولعل المفارقة الأكثر إيلامًا أن الاحتياجات الإنسانية لم تنخفض، بل ازدادت بصورة غير مسبوقة. فالنزاعات المسلحة، والكوارث المناخية، والأزمات الاقتصادية، وموجات النزوح واللجوء، جميعها رفعت عدد المحتاجين إلى الحماية والمساعدة. ومع ذلك، فإن الموارد المخصصة للاستجابة لهذه الاحتياجات لم تنمُ بالمعدل نفسه، لأن جزءًا كبيرًا منها أُعيد توجيهه إلى قطاعات أخرى.
وتدفع منظمات المجتمع المدني، ولا سيما المنظمات المحلية، الثمن الأكبر لهذا التحول. فهي مطالبة بالوصول إلى الفئات الأكثر هشاشة، والعمل في البيئات الأكثر خطورة، والالتزام بأعلى معايير الحوكمة والمساءلة، وفي الوقت نفسه تواجه تقلصًا في مصادر التمويل، وتشددًا في شروط المنح، وارتفاعًا في متطلبات الامتثال الإداري، دون أن يقابله نمو مماثل في الدعم المؤسسي. لكن المتضرر الحقيقي ليس هذه المنظمات، بل المجتمعات التي تعتمد على خدماتها. فعندما يُغلق مركز لحماية الأطفال، أو يتوقف برنامج للتعليم، أو تتراجع خدمات الدعم النفسي والاجتماعي، أو يُلغى مشروع لتمكين الشباب، أو تتوقف برامج دعم الأشخاص ذوي الإعاقة، فإن المجتمع بأسره يدفع الثمن.
إن الاستثمار في الإنسان ليس ترفًا يمكن تأجيله، بل هو أحد أهم مقومات الأمن والاستقرار. فالتعليم، والصحة، والعدالة الاجتماعية، وحماية الطفل، وتمكين المرأة، وخلق الفرص الاقتصادية للشباب، كلها استثمارات تقلل من احتمالات النزاعات، وتحد من التطرف، وتخفف من الهجرة القسرية، وتعزز قدرة المجتمعات على الصمود. ومن هنا، فإن الإنفاق على التنمية ليس نقيضًا للأمن، بل هو أحد أعمدته الأساسية. فلا يمكن لأي مجتمع أن يحقق استقرارًا طويل الأمد إذا كان يبني ترسانته العسكرية ويهمل في الوقت نفسه مدارسه ومستشفياته ومؤسساته الاجتماعية.
إن السؤال الذي ينبغي أن يواجه صناع القرار اليوم ليس: كم ننفق؟ بل: على ماذا ننفق؟ وهل يمكن لعالم ينفق تريليونات الدولارات على التسلح أن يدّعي العجز عن تمويل تعليم طفل، أو حماية امرأة، أو علاج مريض، أو توفير حياة كريمة للاجئ؟ إن إعادة التوازن إلى أولويات التمويل الدولي لم تعد مطلبًا خاصًا بمنظمات المجتمع المدني، بل أصبحت ضرورة استراتيجية لضمان الأمن العالمي ذاته. فالأمن لا يُقاس فقط بعدد الدبابات والطائرات والصواريخ، بل أيضًا بعدد الأطفال الذين يحصلون على التعليم، والشباب الذين يجدون فرص عمل، والأسر التي تعيش بكرامة، والمجتمعات التي تمتلك القدرة على مواجهة الأزمات دون أن تنهار.
لقد آن الأوان لإعادة الاعتبار لمفهوم الأمن الإنساني، بوصفه أساسًا للأمن الوطني والدولي، لا بديلًا عنه. فالعالم الذي يستثمر في الإنسان هو عالم أكثر استقرارًا وعدالة وازدهارًا، أما العالم الذي يجعل السلاح أولوية دائمة، فإنه يخاطر بإنتاج أزمات جديدة، حتى وإن امتلك أقوى الجيوش. إن القضية، في جوهرها، ليست أزمة تمويل، بل أزمة خيارات. وبين الاستثمار في الإنسان والاستثمار في أدوات الحرب، يتحدد مستقبل البشرية.