لماذا بقي نصرالله في مقرّه في الضاحية؟
  • أكتوبر 8, 2025

بعد عامين على عملية “طوفان الأقصى” وعام على اغتياله، السؤال الأهم الذي لا يزال يطرحه من تبقى من قادة “حزب الله” هو عن السبب الذي جعل أمينه العام السيد حسن نصرالله يبقى في مقرّه في حارة حريك على رغم إدراكه أنّه قد يكون هدفًا لإسرائيل. بعد اغتيال القائد العسكري فؤاد شكر وقائد الرضوان ابراهيم عقيل مع عدد من قادة أركانه في الضاحية الجنوبية، وبعد تفجيرات البيجر التي كشفت أن إسرائيل تعيش في بيت “الحزب” وتعرف كل شيء عنه، ألم يكن من الأفضل لنصرالله الانتقال إلى مكان آخر خارج الضاحية؟ وهل أيقن نصرالله أنه لم يعد لديه مكان آمن؟ أكثر من مرّة تحدّث أكثر من مسؤول إسرائيلي عن أن إسرائيل تعرف مكان السيد حسن نصرالله وقادرة على اغتياله في أي وقت. ولكن يبدو أن فائض الثقة بالنفس وبقدرات “الحزب” والسيّد أعمى البصيرة وألغى التقدير الصحيح للوضع واستبعد أي احتمال من هذا النوع على قاعدة أن إسرائيل تخوض حربًا نفسية ضدّ “الحزب” وسيّده وتهوّل عليهم، وهي غير قادرة على اغتياله لأنّها تخشى ردّ الفعل الناتج عن خوفها من امتلاك “الحزب” أسلحة مدمّرة قد تقضي عليها. ولكن ظهر أنّ تقديرات “الحزب” كانت خاطئة وأنّ التهويل الإسرائيلي كان حقيقة. في حديث إلى قناة الميادين في 3 آذار 2025 يروي النائب السابق في “حزب الله” نوّاف الموسوي تفاصيل عن الضربات التي تعرّض لها حزبه في الحرب منذ 7 أوكتوبر 2023 معتبرًا أنّ إسرائيل لم تكن لتتفوّق على “الحزب” إلا بسبب التقصير الذي اعترى طريقة عمل “الحزب” في المواجهة. من هذه المآخذ التي حكى عنها الموسوي مسألة بقاء السيّد حسن نصرالله في مقره في الضاحية. قال إنّه لم يكن يتصوّر أنّه موجود في الضاحية وكان يعتقد أنّه انتقل إلى مكان آمن سرّي. مشيرًا إلى مسؤولية من يتولّون أمن “الحزب” وسيّده قال الموسوي إنّه لو كان الحاج عماد (مغنية) حيًّا لما كان سمح لنصرالله بالبقاء في مقرّه لأنه معرّض للاغتيال بعد انكشاف “الحزب” أمنيًا لأنّ تقدير هذا الأمر لا يكون على عاتق الشخص المعني، أي نصرالله، بل على المسؤولين عن أمنه الذين كان يجب أن يقرروا أي مكان هو الأكثر أمانًا. وأعطى الموسوي مثلًا عمّا حصل في حرب تموز 2006 عندما اضطر عماد مغنية إلى نقل نصرالله وقائد فيلق القدس، اللواء قاسم سليماني، من غرفة العمليات إلى أمكنة أخرى تلافيًا للقصف الإسرائيلي. قاسم وكثيرون ما كانوا يعلمون لم يكن نوّاف الموسوي وحده الذي يجهل مكان نصرالله. نائبه الشيخ نعيم قاسم، الذي صار أمين عام “الحزب” بعد اغتيال نصرالله ثم السيد هاشم صفي الدين، قال في مقابلة على قناة الميادين في 8 تموز 2025: “استشهاد… السيد حسن… لم يكن مفاجئًا للعالم كلّه فقط، نحن كان مفاجئًا لنا أيضًا… ما كنّا نتوقع نحن أنّ سماحة السيّد يُستشهد في هذا الوقت… أنا على المستوى الشخصي رحت أتساءل صحيح استشهد؟ يا عمّي ربّما الخبر غير صحيح، ربّما عندما يحفرون يجدون أنّه في غرفة مثلًا لم يصله (عصف القنابل)، إلى أن أكّد الإخوة في اليوم التالي أن هذا الجثمان أخرجناه. حقيقة أصعب شيء علينا بالموقع الذي نحن به أنّه كيف نتابع بعده، لأنّه لا يوجد عندنا شهادة توقِف مسيرة، عندنا شهادة تغذّي مسيرة…”. كان آخر اتصال تلقّاه قاسم من نصرالله بعد اغتيال ابرهيم عقيل ورفاقه طالبًا منه أن يؤمّ الصلاة على أرواحهم لأنّهم من القادة في “الحزب”. وكان نصرالله بعد تفجيرات البيجر قد اتخذ تدابير أمنية إضافية بعد حديثه عن الدائرة الضيقة في “الحزب” لأنّه أدرك أنّه تعرّض لاختراق كبير. لم تكن تفجيرات البيجر هي المؤشّر الأوّل ولكنّها كانت بالنسبة إليه المؤشر الحاسم. بعد اغتيال فؤاد شكر في 30 تموز أيقن نصرالله أنّه مكشوف أمنيًا. فشكر كان يحظى بالسرية المطلقة التي يتمتّع بها نصرالله، وهو من الجيل المؤسّس الذي رافقه منذ انطلاقة “الحزب”، وكان موضوعًا على لائحة العقوبات الأميركية، ومن المفترض أن لا يعلم أحد بوجوده، قبل أن يعلم حتى بمكانه. ومع ذلك اغتالته إسرائيل في قلب الضاحية وفي مكان قريب من حيث كان نصرالله، وربما بعد اتصال تمّ بينهما. عندما جمّد نصرالله عمل قياديين رئيس تحرير جريدة “الأخبار” ابراهيم الأمين، يروي في مقال له عن السيد هاشم صفيّ الدين منشور في 4 تشرين الأول الحالي، في الذكرى الأولى لاغتياله، طريقة تعاطي “الحزب” ونصرالله مع الاختراقات الأمنية التي لم يجدوا تفسيرًا لها. يقول: “بعد اغتيال القائد الجهادي فؤاد شكر، صيف (31 تموز) عام 2024، انتقل “حزب الله” في إجراءاته إلى مستوى جديد. كان الجميع في حالة حيرة إزاء فهم عقل “الحزب” في هذه المرحلة”… وبعد الإشارة إلى قرار “الحزب” بالردّ على اغتيال شكر يتطرق إلى لجان تحقيق: “…الأمر بات رهن ما تقوم به لجان التقييم والتحقيق التي شكّلها “الحزب” بعد توقّف الحرب. علمًا أنّ جانبًا من هذه اللجان، كان يفترض أن ينطلق مباشرة بعد تنفيذ العدو لعملية البيجر، عندما اتخذ الشهيد السيد حسن نصرالله قرارات بتجميد عمل بعض كبار المسؤولين، وطلب المباشرة في التحقيق لمعرفة ما الذي حصل. لكنّ، توسع الحرب وتدحرجها السريع، أخذ الأمور صوب مكان آخر”… قبل ذلك لم تكن هناك معلومات عن هذا القرار وعن الأشخاص الذين شملهم. صفيّ الدين يسأل كيف علمت إسرائيل يتابع الأمين: “في تلك المدة، كان السيد هاشم، في وضع خاص. الجميع يعرف بأنّه الرجل المرشّح لتولّي مهمّات الأمين العام في حال أصاب السيد نصرالله أي مكروه… يوم قرّر “حزب الله” الرد على اغتيال شكر، صار نقاش كبير حول الأمر. وحول الطريقة ربطًا بتقدير “الحزب” للأمور عسكريًا وسياسيًا. وبعد تنفيذ العملية (عملية يوم الأربعين) أواخر آب 2024، انتقل السيد هاشم مثل بقية قيادة “الحزب”، إلى مستوى جديد من الإجراءات الأمنية. صارت اجتماعاته محصورة في مناسبات محدّدة وفي أمكنة مختلفة أيضًا. حتى إجراءات الأمن الخاصة به، تمّ تعديلها بشكل ملحوظ… قبل أيام قليلة من عملية البيجر، التقينا في مكان جديد لم أزره من قبل. كان السيد هاشم مهجوسًا بالجانب الأمني من المعركة… وفي معرض شرحه، تطرّق السيد هاشم إلى “عملية يوم الأربعين” التي حصلت ردًّا على اغتيال شكر، استنفرت كلّ حواسه وهو يقول: “تعرف، لقد اتخذنا إجراءات دقيقة جدًّا في اختيار العمل، واتفقنا على آلية تسليم القرار التنفيذي إلى المعنيين. ورتبنا كل شيء بطريقة خاصّة، بما في ذلك تحديد الساعة والدقيقة التي تقرّر أن تنطلق فيها الصواريخ والمسيّرات. تمّ تضييق دائرة المطّلعين على التوقيت الفعلي، ثمّ اعتمدنا آلية جديدة لإيصال القرار إلى المعنيين بالتنفيذ. كنا نفترض أنّه سيكون من الصعب على العدو فهم ما يحصل بالضبط. صحيح، أنّ العدو أظهر لنا عن قدرات رقابة تقنية عالية جدًّا، وهو ما كنا فهمناه جرّاء عمليات اغتيال الكوادر والمقاتلين خلال حرب الإسناد. لكن، ليس عندنا ما يحسم الجدل حول الاختراق البشري…فجأة يصمت السيد هاشم ليُضيف: “لكن، يبدو أن العدو علِم بالتوقيت الدقيق للعملية…كيف حصل ذلك؟”… وفيق صفا يبحث عن السيّد صفيّ الدين نفسه لم يكن على علم بمكان وجود نصرالله. رئيس وحدة الارتباط والتنسيق في “حزب الله” وفيق صفا أيضًا لم يكن يعلم. يروي في الوثائقي الذي أعدّته قناة “الميادين” عن السيد صفيّ الدين في الذكرى الأولى لاغتياله “حكيتو للسيّد صفيّ الدين وبلّغتو عن استشهاد سماحة السيّد. لأنّو أنا بعتت شخص من عندي لحتى يتأكّد. هونيك في شباب لحماية السيّد قالوا السيّد تحت. بس كمان كان بدّو يتأكّد. بدّو حدا يشوف، يتأكّد. بالحقيقة كلّف الشهيد الحاج عادل يروح لأنّو بيعرف الأماكن كلّها. راح وشاف وإجا لعند السيّد هاشم وقال له استشهد السيّد…”. عائلة السيّد علمت من الأخبار الحاج عادل، هو الاسم الحركي للقيادي في “حزب الله” محمد علي بحسون. وبحسب موقع “i24″، “كان مسؤولًا عن الوحدة المختصّة بالبناء والتخطيط وصيانة العقارات الاستراتيجية، قواعد عسكرية، منشآت عسكرية ومخابئ التنظيم وإخفائها، وكان هو أيضًا من خطّط وبنى مقر قيادة “حزب الله” تحت الأرض في الضاحية الجنوبية الذي استهدفه الجيش الإسرائيلي”. الحاج عادل قتل لاحقًا مع السيّد صفيّ الدين. بمساعدة الحاج عادل ومن يعرفون تفاصيل الأنفاق، التي بقي على ما يبدو أحدها غير مدمّر بالكامل، تمّ الوصول إلى مقرّ نصرالله. هنا تبدأ رواية المسعفين المزوّدين بالأوكسيجين، الذين وصلوا إلى المكان ووجدوا السيّد وقد فارق الحياة. عائلة السيد نصرالله لم تكن على علم بمكان وجوده أيضًا. في إطلالات كثيرة لابنه جواد كشف أنّهم كانوا مع النازحين في منطقة لا يمكن أن يكشفوا فيها عن هوياتهم، وأنّهم لم تكن لديهم هواتف خليوية، وأنّهم علموا بالخبر كما غيرهم من الأخبار واستمعوا إلى بيان النعي الذي صدر عن “الحزب”، ولم يكن بإمكانهم التعبير عن حزنهم لهذا المصاب الكبير وغير قادرين حتى على الصراخ. إذا كان كل هؤلاء لا يعلمون فكيف علمت إسرائيل؟ لماذا بقي نصرالله في مقرّه في الضاحية؟ .

Read more

Continue reading
أين صارت عملية “ملء الفراغات والتحقيقات” في “الحزب”؟
  • أكتوبر 8, 2025

التحقيقات لم تكتمل بعد، وما حصل كبير ويحتاج إلى تحقيق أعمق لاستكمال السردية التي ينبغي أن تقدم إلى جمهور الحزب  ما إن بدأ سريان اتفاق وقف النار في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، حتى سرت موجة انطباعات داخل “حزب الله” وفي بيئته الحاضنة، فحواها وعد مؤكد بأمرين متلازمين: الأول، التعجيل في ملء الفراغات في قيادة الحزب على المستويين المركزي والمناطقي، وهي الفراغات التي حصلت بفعل غياب أعداد من قيادات الحزب وكوادره العسكرية والمدنية من جراء المواجهات الضارية مع الجيش الإسرائيلي على مدى أكثر من عام ونصف عام، على أن يكون ذلك مقرونا بتغييرات وتبديلات تطاول الهرم القيادي في الحزب. الثاني، الشروع في عملية تحقيق واسعة وشفافة تفضي إلى بناء رواية حقيقية حول ما انتهت إليه “حرب إسناد غزة” التي أعلنها الحزب بعد ساعات على عملية “طوفان الأقصى”، فضلا عن تحديد المسؤولين أشخاصا أو جهات، خصوصا أنه إبان تلك المواجهات تلقى الجسم العسكري للحزب ضربات ثقيلة وحصلت انكشافات وخروق فظيعة أفضت إلى فقدان الحزب أمينيه العامين السابقين السيدين حسن نصرالله وهاشم صفي الدين، إضافة إلى خسارة 80  في المئة (وفق تقديرات جهات حزبية) من القيادة العسكرية المركزية والمناطقية للحزب (86 قائدا). وكان ثمة من ينتظر فعلا أن يرى التبديلات المرتقبة في الهرم القيادي تظهر تباعا، ويكشف عن القيادة البديلة التي يفترض أن تقود الحزب في المرحلة المقبلة، كما كان هناك من ينتظر أن تصله نتائج التحقيقات التي سرى سابقا أنها انطلقت، لكن الأمور سارت مسار مختلفا خيّب آمال المراهنين على الأمرين معاً. فما حصل أن الحزب سارع كما هو معلوم إلى تسمية الشيخ نعيم قاسم أمينا عاما جديدا، ثم عيّن بعيداً من الأضواء الشيخ علي دعموش رئيسا للمجلس التنفيذي، وهو الذي كان نائب الرئيس لحكومة الحزب، وبعدها بفترة سمى الدكتور يوسف الزين مسؤولا عن وحدة الإعلام المركزي خلفا لمحمد عفيف النابلسي، لكن الحزب أبقى على مسؤولي المناطق في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية وبيروت والجبل والشمال في مناصبهم من دون أي تغيير. وعلى رغم ذلك، يؤكد القيادي المخضرم في الحزب النائب والوزير السابق محمد فنيش في تصريح أن “ما يجري في الحزب على هذا الصعيد هو عملية بناء من جديد لملء الفراغات التي حصلت بسبب العدد الكبير من الشهداء ولاسيما الشهداء القادة”. ووفق تقييم خبراء في شؤون الحزب، فإنه لم يلجأ إلى “عملية تبديل وتغيير يعتدّ بها” في هرمه القيادي، بل لجأ إلى “ملء الفراغات الحاصلة”، وما دفعه إلى ذلك هو اقتناعه بالآتي: كل قيادات الحزب المحلية كانت حاضرة في الميدان في أيام المواجهات، ولم تغب عنه إطلاقا، بل إنها قامت بما يتعين عليها أن تؤديه من مهمات، وبالتالي فإن أي عملية تبديل واسعة ستضع تلك القيادات تحت المجهر والغربال، واستطرادا تحت الشبهات، وهو “أمر مرفوض وإنكار لتضحياتها وجهودها”. أما على المستوى العسكري والميداني، فإن الوضع مختلف، إذ إن حجم الخسائر على هذا المستوى كان كبيرا جدا، لذا فإن أمر ملء الفراغات ما زال عملية متواصلة من ناحية، ومحاطا بأعلى درجات السرية والكتمان من جهة أخرى، كعامل من عوامل التعمية على الإسرائيلي الذي استفاد في السابق من ثغرة انكشاف القيادات  السابقة للحزب بفعل طول تمرسها بالمسؤوليات والمهمات اليومية. وعلى صعيد التحقيقات الموعودة، يذكر المطلعون على شؤون الحزب أنه شكّل منذ تولّي قاسم الأمانة العامة هيئة أوكلت إليها حصرا مهمة إجراء تحقيق داخلي يفضي إلى تقييم كل التطورات التي حصلت والتداعيات الناجمة عنها إبان العمليات العسكرية، والكشف عن كل الثغر الأمنية والتقنية المسؤولة عن النتائج السلبية والخسائر الكبيرة التي حلت بالحزب. وعلى رغم ذلك، فإن الحزب بحسب المصادر عينها، ليس في وارد إظهار نتائج تلك التحقيقات في وقت قريب، بناء على اعتبارت عدة أبرزها: – أن هذه التحقيقات لم تكتمل بعد، وتحتاج إلى مزيد من الوقت، إذ إن ما حصل كبير ويحتاج إلى تحقيق أعمق وأشمل لاستكمال السردية التي ينبغي أن تقدم إلى جمهور الحزب. – أن النتائج الأولية للتحقيقات تستبعد فرضية “الخرق والخيانة” أو على الأقل لا تعتبرها أساسا لما حصل، ولاسيما أن تلك التحقيقات تعتمد فعليا مبدأ أن “الحزب لم يهزم بالمعنى العسكري”. أين صارت عملية “ملء الفراغات والتحقيقات” في “الحزب”؟ .

Read more

Continue reading
إسرائيل تقصف شرق لبنان لاستطلاع مخابئ «الصواريخ الدقيقة»
  • أكتوبر 8, 2025

عكَس تكرار القصف الجوي الإسرائيلي مناطقَ في البقاع شرق لبنان تركيزاً إسرائيلياً على المنطقة، يشبه إلى حد بعيد ما كان يجري في جنوب لبنان خلال الأشهر الماضية؛ إذ رأى خبراء أنّ «القصف الذي استهدف محيط بلدة بريتال الشهر الماضي، مهّد لتوسّع الزنار الناري نحو البقاع الشمالي، بعدما كانت المواجهات محصورة إلى حدّ كبير في الجنوب». وشهد البقاع الشمالي، الاثنين، إحدى أعلى موجات القصف الإسرائيلي كثافةً منذ بداية التصعيد؛ إذ شنّ الطيران الإسرائيلي نحو 10 غارات متتالية، توزّعت بين 5 غارات استهدفت مرتفعات محيطة ببلدة زغرين (إحدى بلدات جرود الهرمل)، و5 غارات أخرى على جرود حربتا. هذه الغارات، التي جاءت بعد سلسلة غارات مماثلة على مرتفعات بوداي والنبي شيت في أواخر الشهر الماضي، تثير مخاوف السكان من أن تتحول المنطقة وجهة لقصف متكرر. بعلبك… بداية مرحلة جديدة وبرز التصاعد الميداني مع تنفيذ عملية اغتيال داخل مدينة بعلبك قبل 3 أسابيع، حين استهدفت طائرة إسرائيلية أحد عناصر «حزب الله» في حي العسيرة بالمدينة، فقتلت حسين سيفو شريف. وشكّل هذا الحدث نقطة تحوّل أكدت أن البقاع لم يعد بمنأى عن المعركة، وأن الاستهداف الجوي بات يأخذ وتيرة تصعيدية، سواء أكان عبر الطائرات الحربية أم المسيّرات. قراءة ميدانية وفي قراءة عسكرية للمشهد الميداني، قال اللواء المتقاعد عبد الرحمن شحيتلي، لـ«الشرق الأوسط»، إن الجانب الإسرائيلي «يسعى عبر هذا النمط من القصف إلى تكوين صورة استخبارية عبر تكرار الضربات على المواقع نفسها؛ لمنع أي حركة أو إعادة تموضع فيها». وأوضح شحيتلي أن إسرائيل «تحاول أيضاً جرّ (الحزب) إلى استخدام الصواريخ الدقيقة، التي ظلّت حتى الآن خارج دائرة المواجهة»، مضيفاً أنّ «عدم استخدامها يثير تساؤلات بشأن ما إذا كانت ما زالت ضمن قاعدة الردع الاستراتيجية، أم إنها باتت خاضعة لحسابات ميدانية دقيقة». وأضاف: «نحن نرى هذا التصعيد استطلاعياً أكثر منه هجومياً؛ لأن القصف لو كان موجهاً لتحقيق أهداف محدّدة لكان استمرّ حتى تدميرها بالكامل، لكن الواضح أنه قصف متقطّع لإبقاء المنطقة تحت المراقبة والشلل». منطق الضغط الميداني وفي حين يتخوف الناس في البقاع من أن يعيد هذا التحوّل صياغة قواعد اللعبة، بحيث «يصبح البقاع منطقة تماس استراتيجية لا تقلّ توتراً عن الجنوب»، أشار شحيتلي إلى أن «الحديث عن تحويل البقاع إلى (جنوب ليطاني ثانٍ) فيه مبالغة حتى الآن؛ لأن ما يجري هو توسيع لمسرح الاستهدافات ضمن منطق الضغط الميداني، وليس فتح جبهة جديدة»، مؤكداً أن «إسرائيل لا تمتلك معلومات كثيفة كافية بشأن مواقع الصواريخ الدقيقة، وما زال ذلك يشكّل لغزاً لها حتى اليوم». وبالتالي، فإنّ المرحلة الراهنة تُظهر أن التصعيد في البقاع ما زال ضمن الحدود التكتيكية، لكنه، وفق شحيتلي، قد «يحمل مؤشرات خطيرة إذا ترافق مع اكتشافات ميدانية جديدة قد تُفضي إلى موجات قصف أشد كثافة وتأثيراً على المعادلة العسكرية في المنطقة». إلى أين يتجه التصعيد؟ تتباين القراءات حيال المرحلة المقبلة؛ إذ تقول مصادر ميدانية لبنانية مواكبة للتطورات في البقاع، لـ«الشرق الأوسط»، إنّ المؤشرات الحالية «تدلّ على أنّ المنطقة مقبلة على مرحلة اختبار جديدة، مع تصاعد وتيرة الغارات واتّساع رقعتها الجغرافية»، وترى أنّ الجيش الإسرائيلي «يحاول توسيع عملياته باتجاه العمق الجغرافي لـ(حزب الله)، عبر توجيه ضربات استباقية محدودة النطاق؛ هدفها نقل الضغط من جبهة الجنوب التقليدية إلى جبهة موازية في الشرق اللبناني». وتضيف المصادر أنّ «حزب الله» يتعامل «بحذر ميداني واضح مع هذا النمط من التصعيد، ملتزماً سياسة (ضبط النفس التكتيكي) وتجنّب الانجرار إلى مواجهة شاملة». ووفق المصادر نفسها، فلا يبدو أن «الحزب» الآن «في وارد توسيع المواجهة أو فتح جبهة موازية، بل يركّز على سياسة امتصاص الضربات وتجنّب الاستدراج، مع الإبقاء على قدرة الردّ في التوقيت والمكان المناسبين، وهكذا، يتقدّم البقاع تدريجياً نحو موقع الجبهة الخلفية المشتعلة، حيث تتقاطع الرسائل الأمنية الإسرائيلية مع حسابات الردّ الموزونة من جانب (حزب الله)، في مشهد ينذر بأنّ (مرحلة ما بعد الجنوب) لن تكون أقلّ سخونة ولا أكبر استقراراً». تصعيد متجدّد في الجنوب وبموازاة التصعيد في البقاع، شهد الجنوب اللبناني، الثلاثاء، سلسلة انتهاكات لاتفاق وقف إطلاق النار؛ إذ استهدفت مسيّرة إسرائيلية سيارة بين بلدتَي دير عامص وصديقين في قضاء صور؛ ما أدى إلى سقوط قتيل وجريح، فيما قُتل سائق جرّافة في وادي مريمين غرب ياطر. كما ألقت مسيّرة قنبلة حارقة على منزل في السلطانية تسببت في حريق، واستهدفت أخرى عمالاً في العديسة بقنبلتين صوتيتين من دون إصابات. في المقابل، تحرّكت دبابة «ميركافا» قرب موقع رويسات العلم مع تمشيط باتجاه أطراف كفرشوبا، بينما حلّق الطيران المسيّر الإسرائيلي على علوّ منخفض فوق بيروت وضواحيها. إسرائيل تقصف شرق لبنان لاستطلاع مخابئ «الصواريخ الدقيقة» .

Read more

Continue reading
الانتخابات النيابية في موعدها.. إرادة الخارج وضرورة تغيير المشهد اللبناني
  • أكتوبر 8, 2025

في كل دورة انتخابية يمر بها لبنان، يكثر الحديث عن التأجيل والتعطيل، وعن الذرائع الداخلية التي غالبا ما ترفع في وجه الاستحقاقات الدستورية. إلا أن انتخابات مايو المقبل النيابية تبدو مختلفة في جوهرها وتوقيتها ودلالاتها. المجتمع الدولي الذي يتابع تفاصيل الوضع اللبناني بدقة متناهية، لا يبدو هذه المرة في وارد السماح بتفويت فرصة نادرة تتيح إعادة إنتاج السلطة التشريعية وفق توازنات جديدة، خصوصا بعد ما شهدته المنطقة من تبدلات كبرى على المستويين السياسي والأمني، وبعد التغييرات العميقة في المشهد اللبناني الداخلي منذ آخر انتخابات في 2022 وحتى اليوم. وقال مرجع نيابي سابق لـ«الأنباء»: «تتقاطع المواقف الغربية والعربية عند نقطة واحدة، وهي وجوب إجراء الانتخابات في موعدها ولو على إيقاع الأزمات، لأن تجاوزها سيكون بمثابة إعلان فشل كامل للمنظومة اللبنانية في البقاء ضمن الإطار الديموقراطي الذي يشكل الغطاء الوحيد لشرعية الطبقة الحاكمة أمام الخارج». وتابع المرجع: «تتعامل العواصم المعنية مع هذا الاستحقاق على أنه محطة مفصلية يمكن أن تعيد رسم الخريطة السياسية اللبنانية وفق معادلات جديدة. فالتبدلات التي شهدتها موازين القوى في الشارع وفي المزاج الشعبي، إلى جانب التحولات داخل الطوائف والتيارات، توحي بأن المجلس النيابي المقبل سيكون مختلفا عن سابقه، لا من حيث الأشخاص فقط بل من حيث التحالفات والتوازنات. وهذا ما يفسر الإصرار الدولي على الموعد، إذ يرى المانحون والداعمون أن أي تجديد للطبقة السياسية الحالية خارج صناديق الاقتراع سيكون بلا شرعية، وأن المطلوب الآن هو إعادة فرز داخلية بإشراف خارجي غير معلن، لتحديد من يمثل فعلا، في مرحلة دقيقة من عمر الدولة اللبنانية». وأكد المرجع «أن التعثر الداخلي الذي يطرح في الكواليس كعقبة محتملة لا يبدو هذه المرة ذا وزن أمام القرار الخارجي الحاسم. فالتجارب السابقة أثبتت أن كلمة السر الدولية كفيلة بتبديد أي اعتراض داخلي، مهما علت الأصوات أو تباينت الحسابات. والقوى السياسية اللبنانية، على اختلافها، تدرك تماما أن المظلة الدولية وحدها تمنح الشرعية لأي عملية سياسية مقبلة، وأن أي تمرد على هذا المسار سيعني العزلة وربما العقوبات. من هنا، تسير الماكينات الانتخابية بثبات، لأن الجميع بات مقتنعا بأن لا مهرب من خوض المعركة في مايو، تحت أنظار الخارج الذي يراقب ويرسم ويحاسب». وأشار المرجع إلى ان «هناك رغبة واضحة في أن يخرج البرلمان المقبل بتركيبة أكثر اعتدالا وأقل استفزازا، قادرة على إنتاج سلطة تنفيذية تتعامل بواقعية مع المجتمع الدولي، وتعيد فتح قنوات التواصل مع المؤسسات المالية والمانحة، وتحد من تأثير الانقسام العمودي بين محورين إقليميين متصارعين. بكلام آخر، الخارج يريد مجلسا قابلا للتعاون لا للصدام. مجلس نيابي يوازن بين المكونات من دون أن يشكل امتدادا مباشرا لأي محور خارجي، ويفتح الباب أمام إصلاحات جذرية يسهل تسويقها في المحافل الدولية». ولفت المرجع إلى أن «ثمة توجها خارجيا نحو تشكيل كتلة وسطية واسعة تعيد ضبط التوازنات التقليدية وتحد من الاستقطاب الحاد بين فريقي الموالاة والمعارضة، بما يسمح تشكيل حكومة إصلاحية مستقرة. من هنا، يبدو أن المجتمع الدولي قد حسم أمره انطلاقا من ان الانتخابات ستجرى في موعدها مهما كان الثمن، لأن الوقت لم يعد يسمح بترف الانتظار، ولأن التغيير، ولو المحدود، بات حاجة ملحة لبلد يقف منذ أعوانم على حافة الانهيار الكامل». ما «يطبخ» للبنان خارجيا يتجاوز بكثير مسألة المقاعد النيابية أو توزيع الكتل. إنه، كما يقول المرجع «مسار إعادة تشكيل توازن سياسي جديد يراد له أن يواكب التحولات في الإقليم، وأن يضع البلاد على سكة استقرار مدروس لا يفلت من اليد الدولية. أما الداخل، فسيبقى يتحرك ضمن هامش ضيق، في انتظار كلمة السر التي ستحدد ليس فقط شكل المجلس النيابي المقبل، بل أيضا شكل لبنان السياسي في السنوات المقبلة». الانتخابات النيابية في موعدها.. إرادة الخارج وضرورة تغيير المشهد اللبناني .

Read more

Continue reading
زيارة البابا للبنان تُسابِق أفول حروب ومَخاطر اشتعال أخرى
  • أكتوبر 8, 2025

– إعلان الفاتيكان حصول الزيارة في 30 نوفمبر… قوبل بترحيبٍ كبير هل تكون «الأعاصير» التي تَعصف بالمنطقة ولبنان منذ 7 أكتوبر 2023 انتهتْ في 30 نوفمبر المقبل؟ أم أن الزيارةَ الرسولية التي أَعلن الفاتيكان أن البابا ليو الرابع عشر سيقوم بها لـ «بلاد الأرز» في هذا التاريخ ستتمّ على وقع استمرار ارتجاجاتِ «طوفان الأقصى» على المسرح اللبناني؟ وهل تشكّل هذه المحطة حافزاً في بيروت للإسراع في ترتيبِ البيت الداخلي وفق ما يُرسم لـ «الشرق الجديد»، أم أنّ ثمة مَن يمكن أن يتفيأها لمزيدٍ من معاندةِ مسار استعادة الدولة مقوّماتها وتحويلها تالياً فسحةً جديدة لـ «شراءِ وقتٍ» إضافي؟ هذه الأسئلة حَضَرَتْ بقوةٍ مع إعلان الكرسي الرسولي أن لبنان سيكون ضمن أول جولة خارجية يقوم بها البابا وتشمل بدايةً تركيا (بين 27 و 30 نوفمبر) وذلك «تلبية لدعوة فخامة رئيس الجمهورية (العماد جوزف عون) والسلطات الكنسية اللبنانية»، وتَقاسَمَتْ المشهد الداخلي مع الذكرى الثانية لـ 7 أكتوبر الذي يُخشى أنه يَقترب من أن تُسدل الستارةُ عن فصوله «الجهنمية» في غزة لتتسلّم «بلاد الأرز» كرةَ النارِ التي تُنْذِر بأن تجعلَها إسرائيل هذه المرة حارقة لِما بقي من «أخضر ويابس» أَفْلت من «مطحنة» الدم والدمار في حرب الـ 65 يوماً خريف 2024. ومنذ كَشْفِ موعد الزيارة، بدا أنها شكّلتْ «نقطة ضوء» في آخِر النفَق اللبناني الذي تَزاحَمَتْ فيه الأزمات والكوارث منذ خريف 2019 وصولاً إلى التحاقه بـ «محرقة غزة» في 8 أكتوبر 2023 ليجد «وطن الرسالة» كما أعلنه البابا القديس يوحنا بولس الثاني نفسَه منذ ذلك التاريخ خصوصاً أمام مخاطر وجودية تتجاوز دورَه، بعدما انكشف بالكامل على العواصف الإقليمية واقتيد إلى «عيْنها»، وسط مخاوف متعاظمة تُبْديها مَصادر مطلعة من أن يُجَرّ إلى «نموذج غزة» في حال أصرّ «حزب الله» على تأخيرِ عملية تفكيكِ ترسانته ما قد يفتح البابَ أمام وَضْعِه تحت ضغط «النار» بين خياريْن «أحلاهما مُرّ»: تسليم السلاح بشروطِ تل أبيب وواشنطن أو «الجحيم» الذي لوّح به الرئيس دونالد ترامب لـ «حماس». ورغم حَسْمِ موعد زيارة البابا، فإنّ من الصعب بمكان تقدير «اللحظة السياسية» التي ستحصل فيها كون الأيام الـ 53 الفاصلة عنها تَشي بأنها حَبْلى بتطوراتٍ من شأنها تبديل وجه المنطقة التي تقف على أرضٍ متحرّكةٍ في الطريقِ إلى «نهائيةٍ» تترسّخ تباعاً مرتكزاتها على قاعدةِ إطفاء الحروب «لمرة واحدة ونهائية» وإرساء السلام، أو أقلّه بداياته، وترسيمٍ جديد للنفوذ الإقليمي يُراعي التحولات الجيو – سياسية ويترجم ضمورَ نفوذ إيران ومحورها ومعادلة «عودة طهران إلى طهران» عبر إما قَطْع أذْرعها وإما شلّها، من دون إسقاط احتمالاتِ عودة مواجهة الـ «وجهاً لوجه» بين الجمهورية الإسلامية واسرائيل ومعها الولايات المتحدة. وفي تقرير على موقع «أخبار الفاتيكان»، جاء أن البابا «سيزور لبنان كي يحمل عطفه إلى هذا الشعب، الذي توازي معاناته قوّة صموده أمام الأزمة الاقتصادية، وانفجار مرفأ بيروت عام 2020 وتبعاته الكارثية، والجمود السياسي الذي بدا أنه بدأ يُكسر منذ يناير مع انتخاب الرئيس جوزيف عون، وما حمله ذلك من آمال بتجدد الحياة السياسية»، وأضاف: «أنَّ صمود الشعب اللبناني لم يتراجع حتى أمام الحرب الأخيرة بين إسرائيل و«حزب الله»التي دمّرت الجنوب. وفي فبراير الماضي، كان الكاردينال مايكل تشيرني، عميد دائرة خدمة التنمية البشرية المتكاملة، قد قام بمهمة إلى لبنان بتكليف من البابا، حاملاً إلى ممثلي الكنائس والمنظمات الخيرية والمؤمنين واللاجئين، قربَ أسقف روما الروحي والإنساني. وفي نهاية كل لقاء، كان الجميع يعبّرون عن رجائهم بأن يتحوّل ذلك القرب إلى حضورٍ فعلي، وأن يشهد لبنان من جديد زيارة بابوية بعد زيارة بنديكتوس السادس عشر عام 2012، إحدى آخر رحلات حبريته القصيرة. وها هو الرجاء يتحقّق اليوم مع وصول البابا ليو الرابع عشر». عون يرحب من جهته، رحّب عون بالزيارة الرسولية الأولى التي سيقوم بها الحبر الأعظم، والتي سيخصصها للبنان. وقال «إنّ هذه الزيارة التي يقوم بها قداسته إلى وطننا في بداية حبريّته، ليست مجرّد محطة رسمية، بل لحظة تاريخية عميقة تعيد التأكيد على أنّ لبنان، رغم جراحه، لايزال حاضراً في قلب الكنيسة الجامعة، كما في وجدان العالم، مساحة للحرية، وأرضاً للعيش المشترك، ورسالة إنسانية فريدة تُعانق السماء وتخاطب ضمير البشرية». اضاف «إنّ هذه الزيارة المباركة تُشكّل علامة فارقة في تاريخ العلاقة العميقة التي تجمع لبنان بالكرسي الرسولي، وتجسّد الثقة الثابتة التي يوليها الفاتيكان لدور لبنان، رسالةً ووطناً، في محيطه وفي العالم، كما شدد عليها الأحبار الأعظمون الذين لطالما اعتبروا لبنان، بتعدديته الفريدة، وبإرثه الروحي والإنساني، هو أكثر من وطن، هو أرض حوار وسلام، ملتقى للأديان والثقافات، ورسالة حية للعيش المشترك». وتابع «يأتي قداسة البابا إلى لبنان، وقلوب أبنائه مشرعةٌ له من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب. جميع اللبنانيين، مسيحيين ومسلمين، يتهيّأون منذ الآن لاستقباله بفرحٍ صادقٍ ووحدةٍ وطنية نادرة، تعكس صورة لبنان الحقيقية. ان لبنان قيادةً وشعباً، ينظر إلى هذه الزيارة بكثير من الرجاء، في زمنٍ تتعاظم فيه التحديات على مختلف المستويات. ونرى فيها نداءً متجدّداً إلى السلام، وإلى تثبيت الحضور المسيحي الأصيل في هذا الشرق، وإلى الحفاظ على نموذج لبنان الذي يشكّل حاجةً للعالم كما للمنطقة». وختم: «إننا ننتظر هذه الزيارة التاريخية بكثير من الرجاء والفرح، مؤمنين بأنها ستكون محطة روحية ووطنية جامعة، تحمل معها بلسماً للقلوب ودعماً معنوياً كبيراً للبنان في مسيرته نحو النهوض والاستقرار». محطات بابوية ومحطة البابا، لن تكون الزيارة البابوبة الأولى للبنان الذي عرّج عليه البابا بولس السادس في 2 يناير 1964 فيما كان متّجهاً إلى بومباي، إذ توقف لمدّة 50 دقيقة في مطار بيروت الدولي، حيث انتهز الفرصة لينشر رسالة السلام. وتركت هذه الزيارة أثرها في ذاكرة «بلاد الأرز» التي كان تستضيف للمرّة الأولى رأس الكنيسة الكاثوليكية على أرضها. وفي 10 و11 مايو 1997 زار البابا يوحنا بولس الثاني «لبنان ما بعد الحرب الأهلية» في محطة تاريخية سلّم خلالها الإرشاد الرسولي المنبثق عن السينودوس «رجاء جديد من أجل لبنان». وانطبعتْ زيارة يوحنا بولس الثاني التي اعتُبرت في بُعدها المعنوي بداية تحطيم «جدار الخوف» في زمن الوصاية السورية على لبنان وما عُرف بإحباط المسيحيين المتأتي من إقصاء زعمائهم بالنفي أو الاعتقال، بإعلانه لبنان «أكثر من مجرّد بلد، بل رسالة سلام». وبين 14 و 16 سبتمبر 2012، كانت الزيارة البابوية الرسمية الثانية مع بنديكتوس السادس عشر لتقديم الإرشاد الرسولي إلى أساقفة الشرق الأوسط والذي انبثق عن السينودوس الخاص الذي انعقد في أكتوبر 2010 في الفاتيكان. وجاءت هذه الزيارة في غمرة التحوّلات الإقليمية في أعقاب بدء «ثورات الربيع العربي» ولا سيما في سوريا التي كانت التشظيات السياسية والأمنية لثورتها تحضر بقوة في الواقع اللبناني. وفي يونيو 2022 كان يُفترض أن يزور البابا فرنسيس بيروت، ولكن حينها أثير لغط كبير بعدما لم تلتزم الرئاسة اللبنانية حينها بـ «البروتوكول» الذي يَقضي بأن يعلن الكرسي الرسولي أولاً عن موعد الزيارة فاستعجلت كشْفَها، لتتشابك آنذاك مع «الحروب السياسية» التي كانت مستعرة على تخوم انتخاباتٍ نيابية كما على مشارف انتهاء ولاية الرئيس ميشال عون (أكتوبر 2022). ورغم أن الفاتيكان أعلن حينها أن البابا فرنسيس لن يزور بيروت لأسباب صحية، فإن الاعتباراتِ السياسية التي بقيت مكتومةً وراء امتناعِه عن زيارة لبنان ارتسمتْ لاحقاً مع المحطة التي حملتْه إلى البحرين في نوفمبر 2022 من دون أن تشتمل على بيروت. ملف السلاح وفي موازاة الانشغال بالزيارة التي أعلنت للبابا، بقي ملف سلاح «حزب الله» في واجهة الاهتمام، خصوصاً مع دخول حرب غزة عامها الثالث ومعها «حرب الإسناد» التي أطلقها حزب الله في مثل هذا اليوم من 2023. وفيما أعلن رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع، أنه «يتعيّن على حزب الله أن يتعظ من تجربة حركة حماس الفلسطينية في قطاع غزة، وأن يسلّم سلاحه الى الدولة اللبنانية في أقرب وقت»، مضيفاً «حرام إضاعة الوقت بموضوع تسليم السلاح»، كان الحزب يمضي بمواقف تراوح بين رفض هذا الأمر في المبدأ وبين «ان يتوقف العدوان الاسرائيلي على لبنان وينسحب العدو ويعود الأسرى ويبدأ الإعمار، ويُناقش الأمن الوطني على أسس واقعية تحفظ الكرامة والسيادة وعندها يمكن الحديث عن استراتيجية وطنية أما قبل ذلك فالكلام لا يُقنع أحداً». ولم يتوانَ الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم عن تكريس «الأوعية المتصلة» مع إيران بإعلانه «المقاومة خاضت معركة صعبة ومعقدة جداً لم يمرّ عليها مثلها خلال الـ 40 سنة ونيّف»، مضيفاً «إسرائيل لن تتمكن من أن تحقق أهدافها. نحن أقوياء»، شاكراً «دعم القيادة والدولة والشعب في إيران للمقاومة. ونحن نشعر أن إيران كلّها، من أولها إلى آخرها، معنا؛ أعطتْنا وقدمت لنا وجعلتنا نشعر بهذه العزيمة وبهذه القوة». من جهتها، مضت إسرائيل في استهدافاتها جنوباً حيث أغارتْ مسيّرةٌ على جرافة في منطقة وادي مريمين غربي بلدة ياطر ما أدى الى مقتل سائقها، قبل أن تستهدف غارة أخرى بلدة السلطانية. زيارة البابا للبنان تُسابِق أفول حروب ومَخاطر اشتعال أخرى .

Read more

Continue reading