المأسسة بين الماضي والحاضر: تحولات مؤسسات المجتمع المدني
المأسسة بين الماضي والحاضر: تحولات مؤسسات المجتمع المدني
بقلم: د. قاسم السعد (باحث في حقوق الإنسان والطفل)
لم تعد المأسسة في عالم مؤسسات المجتمع المدني تعني ما كانت تعنيه قبل عقدين أو ثلاثة. ففي مرحلة سابقة، كان الانتقال من المبادرة الفردية أو العمل التطوعي إلى جمعية مسجلة تمتلك نظامًا داخليًا، ومجلس إدارة، وهيكلًا تنظيميًا، وسياسات مالية وإدارية، خطوة متقدمة في بناء المؤسسة. أما اليوم، فقد أصبحت هذه العناصر شروطًا ضرورية، لكنها لم تعد كافية للحكم على مدى قوة المؤسسة ونضجها.
تغير السؤال الجوهري
لقد تغير السؤال؛ لم يعد: هل لدى المنظمة أنظمة وسياسات؟ بل أصبح: هل تستطيع المنظمة أن تستمر وتتعلّم وتتطور وتحافظ على رسالتها عندما يتغير الأشخاص والتمويل والظروف؟ نشأت الكثير من مؤسسات المجتمع المدني حول أشخاص امتلكوا فكرة أو قضية وقدرة على الحشد والقيادة، لكن التحدي يبدأ عندما تصبح العلاقات والمعرفة والقرارات والذاكرة المؤسسية مرتبطة بعدد محدود من الأشخاص.
من قيادة الفرد إلى قوة المؤسسة
قوة القيادة ضرورية، لكن المأسسة تبدأ عندما تتحول قوة القائد إلى قوة للمؤسسة. فالقيادة الناجحة ليست التي تجعل المؤسسة عاجزة عن العمل من دونها، بل التي تبني أنظمة وقيادات جديدة، وتوزع الصلاحيات، وتحفظ المعرفة. ولعل أحد أكثر الأسئلة قدرة على كشف مستوى المأسسة هو: ماذا سيحدث للمؤسسة إذا غادر أبرز قادتها غدًا؟
إدارة المؤسسات أم إدارة المشاريع؟
يعتمد جزء كبير من تمويل مؤسسات المجتمع المدني على المشاريع محددة المدة، مما قد يحول المنظمة إلى مجموعة من المشاريع المتجاورة بينما تظل بحاجة ماسة للاستثمار في استدامتها وتطوير قياداتها. وهنا تظهر المفارقة: قد تكون المنظمة ناجحة جداً في تنفيذ المشاريع، لكنها هشة جداً كمؤسسة إذا لم تخدم المشاريع رسالتها الأساسية.
المأسسة المعرفية وتوطين العمل
لا تقتصر المأسسة على الأنظمة، بل تتعداها إلى “المأسسة المعرفية” حيث تتحول الخبرات الفردية إلى معرفة جماعية ملك للمؤسسة لا للأشخاص. كما يرتبط توطين العمل التنموي والإنساني بتوطين المعرفة، لتصبح المؤسسات المحلية منتجة للمعرفة ومشاركة في تصميم الحلول واتخاذ القرار لا مستخدمة لها فحسب.
هل بنينا مؤسسة تعيش بعدنا؟
في النهاية، لا تقاس المأسسة بحجم الموازنة أو عدد الموظفين، بل بالاختبار الحقيقي: إذا تغير المدير وبقيت المؤسسة، وإذا انتهى المشروع وبقيت الرسالة، وإذا غادر الموظف وبقيت المعرفة، عندها يمكن القول إننا أمام مؤسسة حقيقية قادرة على العيش بعدنا.