IMG 20260704 WA0227
التعافي في لبنان… ليس ما بعد الحرب، بل ما بعد الصدمة
سياسة

التعافي في لبنان… ليس ما بعد الحرب، بل ما بعد الصدمة

كتب: الدكتور قاسم السعد: باحث في حقوق الإنسان وحقوق الطفل

لم تنتهِ الحرب في لبنان بمجرد صمت المدافع، لأن الحروب لا تُقاس فقط بعدد الأيام التي تستمر فيها العمليات العسكرية، بل بسنوات الألم التي تتركها في حياة الناس. فبينما يتحدث البعض عن مرحلة “ما بعد الحرب”، لا يزال آلاف اللبنانيين يعيشون واقعًا لا يشبه السلام؛ عائلات لم تتمكن من العودة إلى منازلها، وقرى ما زالت تنتظر إزالة الركام وإعادة الخدمات، وأطفال يحملون في ذاكرتهم صور النزوح والخوف أكثر مما يحملون ذكريات المدرسة أو اللعب.

لهذا، فإن الحديث عن التعافي في لبنان يجب أن يبدأ من الاعتراف بحقيقة بسيطة، لكنها عميقة: التعافي ليس ما بعد الحرب، بل ما بعد الصدمة.

فالصدمة ليست حدثًا عابرًا ينتهي بتوقيع اتفاق أو إعلان وقف لإطلاق النار، بل حالة إنسانية واجتماعية واقتصادية قد تمتد سنوات. وهي لا تصيب الأفراد فقط، بل تصيب المؤسسات، والاقتصاد، والعلاقات الاجتماعية، والثقة بالدولة، وحتى نظرة الناس إلى المستقبل.

إن أخطر ما يمكن أن نفعله اليوم هو أن نختزل التعافي في إعادة إعمار المباني والجسور والطرق. فإعادة بناء الحجر ضرورة، لكنها لا تكفي إذا بقي الإنسان مكسورًا، وإذا بقيت المجتمعات المحلية عاجزة عن استعادة قدرتها على الإنتاج، والتعليم، والعمل، والحياة الكريمة.

إن لبنان يقف اليوم أمام اختبار مختلف. فالسؤال لم يعد: كيف نعيد ما تهدم؟ بل: كيف نبني مجتمعًا أكثر قدرة على مواجهة الأزمات المقبلة؟ وكيف نمنع أن تتحول آثار الحرب إلى حالة دائمة من الفقر والهشاشة والاعتماد على المساعدات؟

الواقع يفرض علينا أن نعترف بأن التعافي ليس مشروعًا قصير الأمد، ولا مرحلة مؤقتة بين الإغاثة والتنمية، بل مسار طويل يتطلب رؤية وطنية واضحة، وإدارة رشيدة، وشراكة حقيقية بين الدولة، والسلطات المحلية، ومنظمات المجتمع المدني، والقطاع الخاص، والجامعات، والجهات المانحة.

وفي هذا المسار، لا يكفي أن تستمر المنظمات الإنسانية في تقديم المساعدات بالشكل التقليدي، لأن الاحتياجات تغيرت. فالعائلة التي فقدت منزلها لا تحتاج فقط إلى مأوى مؤقت، بل إلى فرصة للعودة إلى حياة مستقرة. والطفل الذي انقطع عن التعليم لا يحتاج إلى صف دراسي فحسب، بل إلى بيئة آمنة تعيد إليه الشعور بالأمان والانتماء. والشاب الذي فقد عمله لا يحتاج إلى مساعدة نقدية مؤقتة فقط، بل إلى فرصة حقيقية لاستعادة استقلاله الاقتصادي.

وهنا، يتحول مفهوم التعافي من مجرد استجابة للاحتياجات إلى عملية لبناء القدرات. فكل تدخل يجب أن يترك أثرًا دائمًا، وكل مشروع ينبغي أن يعزز قدرة المجتمع على الاعتماد على ذاته، وكل استثمار يجب أن يضيف قيمة للمستقبل، لا أن يعالج جراح الحاضر فقط.

كما أن نجاح التعافي يرتبط بقدرتنا على توطين المعرفة. فالمجتمعات التي عاشت الحرب ليست مجرد مستفيدة من البرامج، بل تمتلك خبرة متراكمة في مواجهة الأزمات والتكيف معها. والاستماع إلى هذه الخبرة، وتحويلها إلى سياسات وبرامج، لا يقل أهمية عن الاستفادة من الخبرات الدولية. فالحلول التي تُبنى مع الناس، لا من أجلهم فقط، هي الأكثر استدامة وفاعلية.

ومن جهة أخرى، فإن الجهات المانحة مدعوة اليوم إلى مراجعة فلسفة التمويل. فالتحديات التي يواجهها لبنان لا يمكن معالجتها بمنح قصيرة الأجل أو بمشاريع معزولة. المطلوب هو تمويل مرن ومتعدد السنوات، يسمح للمؤسسات الوطنية والمحلية بالتخطيط، وبناء الكفاءات، والاستثمار في الإنسان، لا في الأنشطة المؤقتة فقط.

لكن يبقى العنصر الأهم في أي عملية تعافٍ هو الإنسان. فحين يعود النازح إلى منزله بكرامة، ويجد الطفل مقعده الدراسي في مدرسة آمنة، وتستعيد الأسرة مصدر دخلها، وتعود الخدمات الأساسية إلى القرى والبلدات، ويشعر المواطن بأن مؤسسات بلده تعمل من أجله، عندها فقط يبدأ التعافي الحقيقي.

إن لبنان لا يحتاج إلى العودة إلى ما كان عليه قبل الحرب، لأن الحرب كشفت هشاشة كانت موجودة أصلاً. المطلوب هو أن تكون هذه المحنة فرصة لإعادة بناء نموذج تنموي أكثر عدالة، وأكثر كفاءة، وأكثر احترامًا لحقوق الإنسان، وأكثر قدرة على الصمود أمام الأزمات.

فالتعافي ليس نهاية الحرب، بل بداية مسؤولية جديدة.

مسؤولية أن نبني وطنًا لا يكتفي بإزالة آثار الدمار، بل يعالج أسبابه، ولا يكتفي بترميم الجدران، بل يعيد ترميم الثقة بين الإنسان والدولة، وبين المواطن ومجتمعه، وبين الحاضر والمستقبل.

عندها فقط، يمكن أن نقول إن لبنان لم ينجُ من الحرب فحسب، بل بدأ يتعافى من الصدمة، ويؤسس لسلام لا يُقاس بغياب السلاح فقط، بل بحضور العدالة، والكرامة، والأمل.

تم نسخ رابط المقال!

By Elsharqnews

Elsharqnews منصة إخبارية مستقلة مصدركم الأول لآخر الأخبار العاجلة والتقارير السياسية والاقتصادية في لبنان والعالم .